شرح القانون الجزائي العربي الموحد: الشروع

يتخذ الركن المادي للجريمة صورة عادية إذا توافرت له جميع عناصره من فعل ونتيجة وعلاقة سببية بينهما وكان توافر هذه العناصر راجعاً إلى سلوك شخص واحد إذ توقع عليه وحده العقوبة التي قررها القانون للجريمة.

ولكن الركن المادي للجريمة قد يتخذ صوراً غير عادية يثور فيها من المشاكل ما يقتضي وضع قواعد خاصة فقد تتحقق بعض عناصر هذا الركن دون بعض كما لو ارتكب الجاني العمل الذي يحظره القانون ولكن لم تتحقق النتيجة الإجرامية التي كان يستهدف تحقيقها وقد يرتكب الجاني الفعل وتتحقق النتيجة المستهدفة به ولكن لا يثبت توافر علاقة السببية بينهما في هذا الوضع يثور التساؤل عما إذا كانت توقع على المكلف عقوبة ويمثل هذا الوضع جريمة ناقصة في أحد عناصرها وإذا قلنا بتوقيع عقوبة فهل تكون العقوبة المقررة للجريمة التامة أم تكون عقوبة أقل من ذلك ؟

ويطلق على هذا الوضع في الفقه الوضعي تعبير الشروع ويراد به محاولة ارتكاب جريمة ثم عدم استطاعة إتمامها وهذا التعبير لم يستعمل في الفقه الإسلامي ولا مانع من استعماله باعتباره يدل على وضع إجرامي خاص يتعين أن يوضع له الحكم الذي يتفق مع طبيعته ويصدر عن مدى تهديده لمصالح يحميها القانون.

فالشروعهو جريمة ناقصة من حيث عدم وقوع النتيجة التي أرادها الجاني من فعله ولذلك فهو خاص بالجرائم العمدية وعندما يتقرر العقاب عليه في جريمة فمعنى ذلك أن ما ارتكبه الجاني كاف ليكون جريمة لأن ما قام به هو من أعمال تنفيذ الجريمة وليس مجرد تحضيرها لذلك يعاقب عليه برغم عدم نجاحه في تحقيق غرضه من ارتكاب الفعل.

لما كانت عقوبة الحد أو القصاص لا توقع إلا إذا كانت الجريمة تامة أي استوفى ركنها المادي جميع عناصره أما إذا نقص أحد عناصره فلم نعد بصدد جريمة حد أو قصاص وصار توقيع عقوبة الحد أو القصاص على هذا الوضع غير جائز فإذا كان هذا الوضع لا يوقع فيه حد أو قصاص فإن العقوبة التي توقع على الفاعل هي التعزير فقد رأى الفقهاء ألا حاجة لوضع نظرية عامة للشروع في الجرائم تحكمها إذ لولي الأمر أو القاضي تحديد أركان وعقوبة هذه الجريمة التعزيرية.

ولا يتعارض مع مبادئ الفقه الإسلامي وضع نظرية عامة للشروع في الجريمة باعتبار ذلك تأصيلاً لحلول جزئية قال بها الفقهاء بالإضافة إلى ذلك فإن المفترض في قانون العقوبات الإسلامي الحديث أن يتضمن تقنيناً للجرائم التعزيرية التي يقدر القانون الإسلامي في مجتمع معين وجوب النص عليها على سبيل الحصر ومن الملائم أن يتضمن هذا القانون نصوصاً خاصة بالشروع في هذه الجرائم باعتبار ذلك النتيجة الضرورية للنص على هذه الجرائم من حيث نطاق العقاب عليه ومقداره.

– مراحل الجريمة: تمر الجريمة بمراحل معينة قبل أن يرتكبها المجرم فهو أولاً يفكر فيها ثم يعقد العزم على ارتكابها ثم يحضر بعد ذلك المعدات ويهيئ الوسائل اللازمة لتنفيذها كشراء سلاح يقتل به أو إعداد مفتاح مصطنع ليفتح به باب محل الجريمة. فإذا أعد المجرم معدات الجريمة انتقل إلى مرحلة ثالثة هي مرحلة التنفيذ فيبدأ في تنفيذ جريمته على الوجه الذي فكر فيه وأعد له الوسائل.

هذه هي المراحل الثلاث التي يمر بها المجرم حتى يرتكب جريمته فأي هذه المراحل يعتبر جريمة وبالتالي جريمة تستحق العقاب؟

أولاً – مرحلة التفكير والتصميم: لا يعتبر التفكير في الجريمة والتصميم على ارتكابها جريمة تستحق العقوبة لأن القاعدة في الشريعة الإسلامية أن الإنسان لا يؤاخذ على ما توسوس له نفسه أو تحدثه به من قول أو عمل ولا على ما ينتوي أن يقوله أو يعمله لقوله عليه الصلاة والسلام: “إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم” وإنما يؤاخذ الإنسان على ما يقوله من قول وما يفعله من فعل.

ثانياً- مرحلة التحضير: لا تعتبر مرحلة التحضير أيضاً معصية ولا تعاقب الشريعة على إعداد الوسائل لارتكاب جريمة إلا إذا كانت حيازة الوسيلة أو إعدادها مما يعتبر جريمة في حد ذاته كحيازة سلاح غير مرخص لتسهيل ارتكاب جريمة السرقة بواسطته.

ثالثاً- مرحلة التنفيذ: هذه هي المرحلة الوحيدة التي تعتبر فيها أفعال الجاني جريمة وليس من الضروري أن يكون الفعل بدءاً في تنفيذ ركن الجريمة المادي بل يكفي أن يكون مقدمة له وأن يكون مقصوداً به تنفيذ الركن المادي ولو كان لا يزال بين الفعل وبين الركن المادي أكثر من خطوة كتسلق الجدار أو كسر الباب أو فتحه بمفتاح مصطنع كل ذلك يعتبر شروعاً في سرقة ولو أن بين كل منها وبين الفعل المادي المكون لجريمة السرقة خطوات هي دخول محل السرقة والاستيلاء على المسروقات وإخراجها من الحرز كذلك يعزر الجاني باعتباره شارعاً في سرقة إذا حاول فتح الباب أو التسلق ولو لم يتم ما حاول فعله.

ويرى أبو عبد الله الزبيري تعزير الجاني باعتباره شارعاً في السرقة إذا وجد بجوار المنزل المراد سرقته ومعه مِبْرَد ليستعمله في فتح الباب أو مِنْقب لينقب به الحائط ولو أنه لم يبدأ في فتح الباب أو نقب الحائط إذا ثبت أنه جاء بقصد السرقة ويرى تعزير الجاني كذلك إذا وجد مترصداً بجوار محل السرقة يترصد غفوة الحارس ليسرق المتاع الذي يحرسه.

ومقياس الفعل المعاقب عليه في الشروع هو أن يكون ما أتاه المتهم مكونا لمعصية (أي اعتداء على حق للجماعة أو حق للفرد)  ويستعان على معرفة ما إذا كان الفعل معصية أو غير معصية بنية الجاني وقصده من الفعل لأن ثبوت هذه النية يزيل كل شك ويساعد على تحديد نوع المعصية.

وقد جعل أبو عبد الله الزبيري في الأمثلة التي ذكرناها سابقاً شأناً كبيراً لنية الجاني فالترصد بجوار محل السرقة قد يكون للسرقة أو لعمل آخر مباح ولكن نية الجاني وحدها هي التي أزالت الشك عن الفعل وعينت المعصية ووجود الجاني بجوار محل السرقة ومعه مبرد أو منقب يحتمل أن يكون الجاني قاصداً سرقة هذا المحل أو غيره ويحتمل أن يكون أراد السرقة أو أراد عملاً آخر غير محرم ولكن نية الجاني هي التي أخرجت الفعل من حيز الاحتمال إلى حيز اليقين وعينت المعصية.

– العقاب على الشروع: قاعدة الشريعة الإسلامية في جرائم الحدود والقصاص أن لا يتساوى عقاب الجريمة التامة بالجريمة التي لم تتم وأصل هذه القاعدة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين”.

وهذه القاعدة لا يمكن الخروج عليها في جرائم الحدود وجرائم القصاص فلا يمكن العقاب على الشروع في الزنا التام بالجلد أو الرجم ولا يمكن العقاب على الشروع في السرقة بعقوبة القطع لأن القطع جعل جزاء الجريمة التامة.

إلا أنه إذا نتج عن الشروع جريمة عقوبتها مقدرة كمن أطلق النار يريد أن يقتل شخصاً فلم يمت ولكن الرصاصة قطعت أذناً أو فقأت عيناً فإنه في هذه الحال تكون ثمة عقوبتان إحداهما مقدرة وفيها القصاص الثابت بقوله تعالى “العين بالعين” والأخرى تعزيرية غير مقدرة.

ولا شك أن البون شاسع بين الشروع والفعل التام فيجب أن يؤخذ المتهم بقدر ما فعل ويجزي بقدر ما اكتسب فضلاً عن أن التسوية في العقاب بين الشروع والجريمة التامة تحمل مَن شرع في جريمة على إتمامها لأنه يرى نفسه قد استحق عقوبة الجريمة التامة بالبدء في تنفيذ الجريمة فليس ثمة ما يغريه بالعدول عنها.

– أثر عدول الجاني عن الفعل: إذا شرع الجاني في ارتكاب الجريمة فإما أن يتمها وإما أن لا يتمها فإذا أتمها فقد استحق عقوبتها وإذا لم يتمها فإما أن يكون أُكره على عدم إتمامها كمن يضبط وهو يجمع المسروقات من محل السرقة وإما أن يكون هو الذي عدل مختاراً عن إتمامها وفي حالة العدول إما أن يكون لسبب ما غير التوبة كأن يكتفي الجاني بما فعل أو يرى أنه ينقصه بعض الأدوات أو يرى أن يعاود الكرَّة في وقت آخر مناسب أو يخشى أن يراه أحد وإما أن يكون سبب العدول هو توبة الجاني وشعوره بالندم ورجوعه إلى الله.

فإذا كان سبب عدم إتمام الجريمة هو إكراه الجاني على ذلك كأن يضبطه المجني عليه أو يصاب بحادث يمنعه من إتمام الجريمة فإن ذلك لا يؤثر على مسئولية الجاني في شيء ما دام أن الفعل الذي أتاه يعتبر معصية.

وإذا عدل الجاني عن إتمام الجريمة لأي سبب غير التوبة فهو مسئول عن الفعل كلما اعتبر الفعل معصية أي اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد فمثلاً إذا قصد سرقة منزل فكسر بابه ثم عدل عن دخوله لأنه رأى الحارس يمر في هذه المنطقة فخشي أن يكتشف الحادث أو دخل المنزل ثم خرج دون أن يسرق شيئاً لأنه عجز عن فتح خزانة النقود أو ليأتي بزميل له يعاونه في فتح الخزانة أو يعاونه في حمل المسروقات فهو في كل هذه الحالات يعاقب بالرغم من عدوله لأنه عدل لسبب غير التوبة ولأن ما وقع منه فعلاً يعتبر معصية فدخول منزل الغير دون إذنه معصية وكسر باب منزل الغير معصية. أما إذا وصل إلى باب المنزل بقصد السرقة ثم عدل لأي سبب وعاد فإنه لا يعاقب لأن ما فعله لا يعتبر اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد ومن ثَمَّ لا يعتبر معصية وإذا لم يعتبر الفعل معصية فلا عقاب.

العدول للتوبة: أما إذا كان سبب عدول الجاني عن الفعل هو توبته ورجوعه إلى الله فإن الجاني لا يعاقب على ما فعل إذا كانت الجريمة هي جريمة الحرابة وذلك لقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 34]  فالمحارب إذا تاب قبل القدرة عليه سقطت عقوبته بالرغم من أنه أتى الجريمة التامة وإذا كان هذا هو حكم من أتم الجريمة فأولى به أن يكون حكم من لم يتمها.

وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على أن التوبة تسقط العقوبة المقررة لجريمة الحرابة[1] إذا حدثت التوبة قبل القدرة على المحارب فإنهم اختلفوا في أثر التوبة على ما عدا هذه الجريمة ولهم في ذلك ثلاث نظريات:

النظرية الأولى: ويقول بها بعض الفقهاء في مذهب الشافعي ومذهب أحمد ومجمل رأيهم أن التوبة تسقط العقوبة وحجتهم في ذلك أن القرآن نص على سقوط عقوبة المحارب بالتوبة وجريمة الحرابة هي أشد الجرائم فإذا دفعت التوبة عن المحارب عقوبته كان من الأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم وأن القرآن لما جاء بعقوبة الزنا الأولى رتب على التوبة منع العقوبة وذلك قوله تعالى: {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} [النساء: 16]  وذكر القرآن حد السارق وأتبعه بذكر التوبة في قوله تعالى: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} [المائدة: 39]  وأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له” ومن لا ذنب له لا حد عليه وقال الرسول في ماعز لما أُخبر بهربه: “هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه”.

ويشترط هؤلاء الفقهاء لتُسقط العقوبة أن تكون الجريمة مما يتعلق بحق الله أي أن تكون من الجرائم الماسة بحقوق الجماعة كالزنا والشرب وأن لا تكون مما يمس حق الأفراد كالقتل أو الضرب ويشترط بعض هؤلاء الفقهاء شرطاً آخر وهو أن تكون التوبة مصحوبة بإصلاح العمل وهذا الشرط يقتضي مضي مدة يعلم بها صدق التوبة ولكن البعض الآخر يكتفي بالتوبة ولا يشترط إصلاح العمل.

ويترتب على الأخذ بهذه النظرية أن تسقط العقوبة عمن يعدل عن إتمام جريمته تائباً كلما كانت الجريمة مما يمس حقوق الجماعة أما الجرائم التي تمس حقوق الأفراد فلا يؤدي العدول عن ارتكابها لسقوط العقوبة بحال ولو كان سبب العدول هو التوبة.

النظرية الثانية: وهي نظرية مالك وأبي حنيفة وبعض الفقهاء في مذهبي الشافعي وأحمد ومجمل رأيهم أن التوبة لا تسقط العقوبة إلا في جريمة الحرابة للنص الصريح الذي ورد فيها لأن الأصل أن التوبة لا تسقط العقوبة فالله أمر بجلد الزاني والزانية فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]  فجعل الجلد عاماً للتائبين وغير التائبين وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]  فجعل القطع للتائب وغير التائب.

وقد أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – برجم ماعز والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وكلهم جاءوا تائبين معترفين على أنفسهم يطلبون أن يتطهروا من ذنوبهم بإقامة الحد عليهم وقد سمى الرسول فعلهم توبة فقال في حق المرأة: “لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم”.

ويرى هؤلاء الفقهاء أن العقوبة لا تسقط بالتوبة لأنها كفارة عن المعصية ولا يرون شبهاً بين المحارب وبين غيره من المجرمين حتى يقاس أحدهما على الآخر فالمحارب شخص لا يقدر عليه فجعلت التوبة مسقطة لعقوبته إذا تاب قبل القدرة عليه بتشجيعه على التوبة والامتناع عن الفساد في الأرض أما المجرم العادي فهو شخص مقدور عليه دائماً فليس ثمة ما يدعو لإسقاط العقوبة عنه بالتوبة بل إن العقوبة هي التي تزجره عن الجريمة وفضلاً عن ذلك فإن القول بأن التوبة تسقط العقوبة يؤدي إلى تعطيل العقوبات لأن كل مجرم لا يعجز عن ادعاء التوبة.

ويترتب على هذه النظرية أن عدول الجاني عن إتمام جريمته تائباً راجعاً إلى الله لا يمنع عنه العقوبة كلما اعتبر فعله معصية.

النظرية الثالثة: وهي نظرية ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهما من الحنابلة. وعندهما أن العقوبة تطهر من المعصية وأن التوبة تطهر من المعصية وتسقط العقوبة في الجرائم التي تمس حقاً لله فمن تاب من جريمة من هذه الجرائم سقطت عقوبته إلا إذا رأى الجاني نفسه أن يتطهر بالعقوبة فإنه إذا اختار أن يعاقب عوقب بالرغم من توبته.

ويترتب على هذه النظرية أن من عدل عن إتمام جريمته تائباً تسقط عنه العقوبة إذا كانت الجريمة مما يمس حقاً لله أي حقاً من حقوق الجماعة ما لم يطلب الجاني نفسه أن يعاقب أما إذا كانت الجريمة تمس حقاً للأفراد فلا تسقط العقوبة.

إن موضوع التوبة له أهمية خاصة في شريعتنا لأن العقوبات تقرر بقصد إصلاح الجناة والتوبة دليل على استجابتهم للاستقامة وعدولهم عن سلوك طريق الجريمة.

– الشروع في الجريمة المستحيلة: الجريمة المستحيلة هي التي يستحيل وقوعها إما لعدم صلاحية وسائلها كمن يطلق على آخر بقصد قتله بندقية لا يعلم أنها غير معمرة أو أن إبرتها مكسورة وإما لانعدام موضوعها كمن يطلق عياراً على ميت بقصد قتله وهو غير عالم بموته أو كمن يذهب ليسرق مالاً فيتبين أن المال الذي سرقه له أو من يدخل على امرأة يريد أن يزني بها فيتبين أنها زوجته.

وقد كانت الجريمة المستحيلة محل نظر فقهاء القانون الوضعي ومناقشاتهم في القرن الماضي وكان بعضهم يرى العقاب على الشروع فيها وبعضهم لا يرى ذلك أما اليوم فقد اتجه الرأي إلى إهمال نظرية الاستحالة والأخذ بالمذهب المضاد وهو المذهب الشخصي ويقوم على النظر إلى غرض الفاعل وخطورته فمتى كانت الأفعال التي أتاها تدل صراحة على قصد الفاعل فهو شارع في الجريمة وتجب عليه عقوبة الشروع.

ورأي أصحاب المذهب الشخصي في الجريمة المستحيلة يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية إذ يستوي في الشريعة الإسلامية أن تستحيل الجريمة بالنسبة لوسائلها أو موضوعها والغاية منها فإن ذلك كله لا ينفي مسئولية الجاني إن كان ما فعله معصية ولا شك أن محاولة الجاني الاعتداء على المجني عليه هي في ذاتها معصية بغض النظر عما إذا كانت المحاولة قد أدت لنتيجتها أم لم تؤد لذلك وسواء كانت نتيجة المحاولة ممكنة الحصول أو مستحيلة الوقوع لأن المحاولة في كل الأحوال اعتداء على الفرد وعلى أمن الجماعة وما دامت النية الجنائية قد ظهرت وتجسمت في أفعال خارجية أتى بها الجاني بقصد تنفيذ جريمته فهو جان يستحق العقاب كلما تكوَّن من أفعاله معصية وإذا كان الفعل لم يلحق أذى فعلاً بالمجني عليه أو كانت الجريمة قد استحال تنفيذها فإن ذلك أمر يترك تقديره للقاضي فيعاقب الجاني بالعقوبة التي تتلاءم مع قصده وخطورته والظروف التي أحاطت بتنفيذ جريمته.

– الشروع في القانون الجزائي العربي الموحد: لم يخرج واضع القانون عن النظريات التي وضعها فقهاء الشريعة الإسلامية لقواعد الشروع فنص في القانون الجزائي العربي الموحد المادة 99 منه على عدم جواز العقاب على النيات وعدم جواز العقوبة على الفعل التحضيري إلا إذا كان يشكل بحد ذاته جريمة[2].

كما أخرجت المادة 91 من القانون[3] جرائم الحدود أو القصاص من قواعد الشروع حين استبعدت الجريمة الناقصة من نطاقهم واعتبر أن جرائم الحدود والقصاص إن لم ترتكب تامة تعتبر جريمة تعزيرية ومن ثم حصرت المادة 97 نطاق تطبيق هذه القواعد في الجرائم التعزيرية التي تصنف على أنها جنايات ونص على عدم جواز تطبيق هذه القواعد في الجنح إلا بنص خاص[4] وعلل ذلك في المذكرة الإيضاحية بانعدام خطورة الجنح كقاعدة عامة ما لم يرى واضع القانون خلاف ذلك.

نص القانون الجزائي العربي الموحد على أنه تعتبر محاولة[5] لارتكاب جناية ارتكاب فعل يعتبر بدءاً بتنفيذ الجريمة أو ارتكاب فعل يهدف مباشرة إلى ارتكاب الجريمة حتى ولو لم يكن داخلاً في الركن المادي للجريمة ويعتبر الشروع قائماً سواء أكان قد تم إيقاف تنفيذ الجريمة بسبب خارج عن إرادة الفاعل وهو ما يسمى الشروع الناقص أو أن الجاني يتم فيها نشاطه التنفيذي ومع ذلك لا تحصل النتيجة الإجرامية المتوخاة لظروف خارجة عن إرادته أيضاً كأن يطلق النار علي الضحية فيخطئها وهذا ما يسمى بالشروع التام أو الجريمة الخائبة وتنص المادة 96[6] على المعاقبة على محاولة الجنايات دائماً وفي جميع صورها بمقدار نصف عقوبة الجريمة التامة وإذا كانت العقوبة هي السجن المؤبد تخفض إلى السجن مدة لا تتجاوز العشر سنوات وإذا كانت العقوبة الإعدام خفضت للسجن المؤبد.

وفي ختام بحث الشروع فقد أحسن واضع القانون بعدم الأخذ بنظرية الجريمة المستحيلة وعقاب الفاعل حتى لو لم يكن بالإمكان بلوغ النتيجة بسبب ظرف يجهله (المادة 98)[7] ولم يفرق بين الاستحالة بسبب ظرف واقعي يجهله الفاعل سواء أكان محل الجريمة مستحيلاً كأن تكون المرأة المراد إجهاضها غير حامل مثلاً أو كانت الوسيلة غير صالحة لتحقيق النتيجة كأن يكون السلاح غير صالح للاستخدام وفي جميع الأحوال يجب أن يكون الفاعل جاهلا باستحالة بلوغه الهدف.


[1] من المتفق عليه أن التوبة تسقط ما يمس حقوق الجماعة أما ما يمس حقوق الأفراد فلا يسقط بالتوبة. فالمحارب إذا أخذ المال فقط ثم تاب سقطت عنه عقوبة القطع بالتوبة ولكنه يلزم برد المال، وإذا أخذ المال وقتل ثم تاب سقطت عنه عقوبة القتل حداً ولكنه يلزم برد المال ولا تسقط عنه عقوبة القصاص إلا بعفو أولياء القتيل

[2] العزم أو التصميم وكذلك الأعمال التحضيرية لا تعتبر محاولة و لا يعاقب عليها إلا بنص خاص في القانون .

[3] كلما تخلف شرط أو اختل حكم أو تولدت شبهة أو فات محل في جرائم الحدود والقصاص أو وقع عفو من جهة الادعاء الشخصي. ” أولياء الدم” في جرائم القصاص ، يعاقب مرتكبها بالعقوبة البديلة المقررة لها شرعا ، فإن لم يكن لها بديل شرعي ، انقلب وضعها إلى جريمة تعزيرية .

[4] لا يعاقب على المحاولة في الجنح إلا بمقتضى نص خاص في القانون.

[5] يستعمل واضع القانون كلمة (محاولة) ثم (الشروع) وذلك لأنها اعم واشمل ولان الشروع يشكل جزءا من المحاولة.

[6] كل محاولة ارتكاب جناية ظهرت بالبدء في تنفيذها أو بأعمال لا لبس فيها تهدف مباشرة إلى ارتكابها ، ولم يوقف تنفيذها أو لم يحصل الأثر المتوخى منها إلا لظروف خارجة عن إرادة مرتكبها تعاقب بعقوبة تتراوح ، بين نصف الحدين الأدنى و الأعلى للعقوبة المقررة قانوناً للجريمة نفسها .

فإذا كانت العقوبة السجن المؤبد حكم بالسجن المؤقت لمدة لا تتجاوز عشر سنوات.

وإذا كانت العقوبة الإعدام حكم بالسجن المؤبد .

[7] المادة ( 98 ) يعاقب على  المحاولة و لو لم يكن في الإمكان بلوغ الهدف بسبب ظرف واقعي يجهله الفاعل .

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: الجريمة التامة

عناصر الركن المادي للجريمة التامة ثلاثة هي الفعل والنتيجة الإجرامية وعلاقة السببية بينهما.

– الفعل: هو سلوك المجرم حينما ارتكب جريمة أي تصرفه الذي نهى عنه القانون وقرر من أجله العقوبة ويعني ذلك أن الفعل صورة للسلوك الإنساني وما يميزه عن سائر صوره التي يأتيها الناس في حياتهم اليومية أن القانون قد نهى عن إتيانه ومؤدى ذلك أنه أسبغ عليه صفة غير مشروعة تجعله موضوع تجريمه والسبب الشرعي لتوقيع العقوبة على مقترفه.

وللفعل صورتين: صورة إيجابية تتمثل في الإتيان أو الحركة المادية الملموسة وصورة سلبية تتمثل في محض الامتناع أو الإحجام وإذا أطلق لفظ الفعل فإنه ينصرف إلى العمل الإيجابي ويمكن اصطلاحاً أن يستعمل تعبير الفعل السلبي للدلالة على الامتناع وقد فصلنا في المحاضرة الماضية في شرح الجريمة السلبية والجريمة الإيجابية.

– النتيجة الإجرامية:إذا وقع الفعل الذي ينهي عنه القانون ويجرمه بناء على ذلك فإنه تترتب عليه مجموعة من الآثار المادية يتمثل فيها العدوان على مصلحة قرر لها القانون الحماية فإذا ارتكب فعل القتل فإنه يترتب عليه أثر مادي هو وفاة المجني عليه وهذا الأثر يمثل عدوانًا على حق المجني عليه في الحياة وعلى مصلحة المجتمع في أن يحتفظ بكل من أفراده وهذا العدوان هو العلة الشرعية لتجريم القتل ذلك أنه عند انتفاء أي عدوان يترتب على الفعل لا يكون للتجريم ما يبرره.

والآثار التي تترتب على الفعل عديدة ومتنوعة وهي تتابع متلاحقة طبقًا لقوانين السببية ولكن القانون لا تعنيه جميع هذه الآثار وإنما يعنيه منها ذلك القدر الذي يتمثل فيه العدوان على المصلحة التي يحميها وعلى سبيل المثال فإن فعل القتل يترتب عليه وفاة المجني عليه عبر وسيلة معينة قد تكون الجروح وقد تكون إحداث خلل في أجهزة الجسم عن طريق السم مثلاً ولكن هذه الآثار المادية للفعل لا تتوقف عند ذلك وإنما تتلاحق هذه الآثار فموت المجني عليه يترتب عليه فقد عائلته مورد رزقها وقد يترتب على ذلك انحراف أبنائه ولكن القانون لا يعنيه في تحديد النتيجة في خصوص جريمة القتل الآثار التي تعقب حدوث الوفاة وإنما يقف اهتمامه عند حدوث الوفاة ويكتفي به في تحديد عناصر النتيجة الإجرامية في القتل. ويتضح بذلك أنه على الرغم من اختلاف مدلولي النتيجة فإن بينهما صلة وثيقة من حيث أن أحدهما موضوع الآخر ومن حيث أن أحدهما وسيلة تحديد ما يعتد به شرعًا من الثاني.

وتنقسم الجرائم إلى جرائم ضرر وجرائم خطر تبعًا للصورة التي تتخذها الآثار المادية المترتبة على الفعل فقد تتخذ هذه الآثار صورة العدوان الفعلي الحال على المصلحة التي يحميها القانون وقد تتخذ صورة العدوان المحتمل على هذه المصلحة والعدوان المحتمل يعني التهديد بالخطر في النوع الأول يكون اعتداد القانون بأثر تحقق فعلاً وفي النوع الثاني يكون اعتداده بأثر لم يتحقق بعد ولكن تحققه في مستقبل قريب محتمل في درجة عالية من الاحتمال والقانون يعتد في تجريم النوع الأول بأثر قد تحقق ويعتد في النوع الثاني بأثر لم يتحقق بعد ولكن تحققه محتمل وتوضيحاً لذلك فإن القانون يعتد في تجريم القتل بأثر تحقق فعلاً وهو موت المجني عليه ولكن إذا جرم القانون نقل طفل أو عاجز عن الحركة إلى مكان بعيد عن العمران فإن القانون لا ينظر في تجريم الفعل إلى عدوان قد تحقق فالطفل قد لا يناله ضرر بنقله إلى المحل البعيد عن العمران فقد ينقذ قبل أن يصاب بأذى ولكن القانون ينظر في تجريمه لهذه الأفعال إلى الاحتمال الغالب وهو أن الطفل يغلب أن يصاب بأذى في حياته أو سلامة بدنه وقد اعتد القانون بالأثر المستقبل للفعل باعتباره غالب الاحتمال.

وتتضح أهمية النتيجة الإجرامية في البنيان التشريعي للجريمة من وجهين من حيث علة تجريم القانون للفعل ذلك أنه يجرم الفعل من أجل ما يحدثه من عدوان على المصلحة التي يحميها سواء أكان هذا العدوان فعلياً أم كان محتم ً لا ذلك أنه إذا كان الفعل لا ينجم عنه عدوان قط فلا مبرر لتجريمه وإلا كان ذلك مجرد تضييق على الناس وحد من حرياتهم ونشاطهم.

– علاقة السببية: هي الصلة التي تربط بين الفعل الذي ارتكبه المكلف وبين النتيجة الإجرامية ويثبت أن ارتكاب هذا الفعل هو الذي أدى إلى حدوث هذه النتيجة.

وأهمية علاقة السببية في غنى عن البيان فهي التي تربط بين عنصري الركن المادي فتقيم بذلك وحدته وتوفر له كيانه وعلاقة السببية تسند النتيجة إلى الفعل فتقرر بذلك توافر شرط مسئولية مرتكب الفعل عن النتيجة وتسهم علاقة السببية في تحديد نطاق المسئولية باستبعادها حيث لا ترتبط النتيجة الإجرامية بفعل المكلف ارتباطاً سببياً.

وأهم ما يثيره البحث في علاقة السببية هو تحديد معيارها إذ من شأن هذا المعيار أن يميز بين الحالات التي تتوافر فيها والحالات التي لا تتوافر فيها.

معيار علاقة السببية في الفقه الإسلامي: لم ترد في الفقه الإسلامي نظرية عامة تحدد معيار علاقة السببية وإنما فضل الفقهاء إيراد قواعد جزئية لحل مشكلات علاقة السببية في الجرائم المتنوعة.

– الركن المادي في القانون العربي الموحد:جرياً على تبويب الفقيه الشهيد عبد القادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي[1] لم يبحث واضع القانون العربي الموحد في الركن المادي للجريمة التامة على اعتبار أن محله هو القسم الخاص من القانون.


[1] ورد في الصفحة 342 ج1 من الكتاب ” فالكلام على الركن المادي يتناول الكلام على الجريمة التامة، والشروع، والاشتراك. ومحل الكلام على الجريمة التامة هو القسم الجنائي الخاص حيث تبحث كل جريمة وتبين أركانها وشرائطها وعقوباتها، وهذا ما يوجبه منطق الفصل بين القسم العام والقسم الخاص”

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: الركن المادي للجريمة

الركن المادي للجريمة:

من المبادئ الأساسية المقررة في الفقه الجنائي الإٍسلامي أنه لا قيام للجريمة بغير ماديات تبرز بها إلى العالم الخارجي المحسوس.

وسند المبدأ هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم” وقال صلى الله عليه وسلم كذلك “من هم بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم يكتب له شيء” وقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في ذلك “الأحكام على الظاهر والله ولي الغيب من حكم بالإزكان (أي فهم الشيء بالظن بغير دليل مادي) جعل لنفسه ما حظره الله تعالى عليه ورسوله لأن الله عز وجل إنما يتولى الثواب والعقاب على الغيب لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه وكلف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر ولو كان لأحد أن يأخذ بباطن عليه دلالة كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم” واستدل الإمام الشافعي على ذلك أيضًا بقول الله تعالى – مخاطبًا رسوله الكريم في شأن المنافقين (إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) المنافقون (1-2) وأخذًا بهذه الآية الكريمة فقد عامل الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين على أنهم مسلمون وأجرى عليهم جميع أحكام الإسلام لأنهم من حيث الظاهر يشهدون أن “لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله” ولم يعاملهم على أنهم كفار على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنهم يبطنون الكفر وأنهم كما قال سبحانه “يتخذون أيمانهم جنَّة” أي يتظاهرون بالإسلام كي يتقوا أن يطبق عليهم أحكام الكفر.

وأهم علة لعدم العقاب على النيات أنه بغير ماديات ملموسة لا ينال أمن المجتمع اضطراب ولا يصيب الحقوق والمصالح الجديرة بالحماية عدوان بما مؤداه انتفاء علة التجريم وبالإضافة إلى ذلك فإن إقامة الجريمة على ماديات يتفق مع الحاجة إلى إقامة الدليل قضاءً على ارتكاب الجريمة ومعلوم أن إقامة الدليل على الماديات ميسور ولكن إقامته على محض فكرة حبيسة في النفس أو تصميم كامن في الصدر أمر يكاد يكون مستحيلاً.

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: التصنيف الذي اعتمده القانون الجزائي العربي الموحد

بعد أن استعرضت المذكرة الإيضاحية التصنيفات السابق ذكرها للجرائم قررت أن التصنيف التقليدي هو أهم هذه التصنيفات وبذلك أخذت به في المادة 88 من القانون[1] التي قسمت الجرائم إلى ثلاثة أنواع (حدود وقصاص وتعازير) وحصرت المادة 89 من القانون جرائم الحدود بسبعة جرائم وهي التي يعدها أغلب فقهاء الشريعة كذلك (الزنا , القذف , شرب الخمر , السرقة , الحرابة , البغي , الردة) كما حددت المادة 90 جرائم القصاص والدية بأنها القتل والضرب والجرح وأحالت بقية التفاصيل إلى القسم الثاني من القانون الذي يهتم بشرح جرائم الحدود والقصاص.

 أما التعازير فلا تطبق إلا في حالة عدم إمكان تطبيق الحد أو القصاص (المادة 91)[2] ومن ثم يصنف واضع القانون التعازير إلى صنفين (جنايات وجنح)[3] بحسب جسامة الجريمة ويضع معياراً لجسامة الجريمة هو شدة العقوبة.

ومن الغريب أن واضع القانون الجزائي العربي الموحد قد أهمل الأخذ بالتصنيف الموضوعي المبني على اعتبار الحق المعتدى عليه واعتبار جرائم الحدود والقصاص هي نماذج العقوبات الأشد للاعتداء الذي يقع على هذه الحقوق رغم أن هذا التصنيف يسمح بوضع نظرية عقابية لصياغة جرائم التعازير والعقوبات عليها بشكل يحقق الغاية من وضع العقوبة في الشريعة الإسلامية.

كما أن واضع القانون لم يوضح سبب اعتبار جرائم الحدود سبعة وكان الأولى به أن يناقش في المذكرة الإيضاحية سبب اعتماده لبعض الأقوال دون غيرها ويرد على من يرى الحدود خمساً ويستثني منها الردة والشرب كما أن إهمال تعريف الجريمة السياسية وعدم الأخذ بالمعايير التي وضعها فقهاء الشريعة الإسلامية لتمييز الجريمة السياسية عن الجريمة العادية أمر يحتاج إلى توضيح وتبرير خصوصاً وأن هذا الأمر يتعلق بالحريات العامة بشكل مباشر ويشكل قيداً على النظام السياسي في الدولة يمنعه من استخدام القانون الجزائي لتصفية المعارضين له.

أيضاً أهمل واضع القانون الجزائي العربي الموحد تبيان موقفه من الجرائم السلبية رغم أنها أخذت جانباً واسعاً في الفقه الإسلامي من حيث الدراسة والبحث إضافة إلى ما لها من أهمية واقعية في تجريم أفعال معينة كالقتل عن طريق الامتناع الذي أفاض فقهاء الشريعة في البحث فيه وأهمله القانون الجزائي العربي الموحد إهمالاً تاماً سواء بعدم ذكر إمكانية وقع الجريمة بسلوك سلبي في القسم العام من القانون أو في القسم الخاص منه.

كما أن اعتبار أن التصنيف التقليدي هو الرئيسي لا يبرر بشكل كاف الإهمال التام للتصنيفات التي وضعها شراح القانون الوضعي كالتفريق بين الجرائم الآنية والمستمرة والمتعاقبة وجرائم الاعتياد وكان الأولى أن يتحدث عنها لما لها من أهمية في تحديد نطاق تطبيق القانون الجزائي في الزمان والمكان. كما أهمل واضع القانون التفريق بين الجريمة المقصودة والجريمة غير المقصودة ولم يبحث صور الخطأ وحالاته وصور العمد وحالاته رغم ما لها من أهمية في وصف الجريمة فبعض حالات الخطأ تقترب إلى كبير من الفعل العمدي والعكس أيضاً وارد فبعض حالات العمد تقترب من الخطأ لحد كبير ومذهب القانون الجزائي العربي الموحد بعدم البحث في هذا التصنيف يحتاج إلى تبرير لما لهذا التصنيف من أهمية .


[1] الجرائم حدية ، و قصاص أو دية ، و تعزيرية.

[2] كلما تخلف شرط أو اختل حكم أو تولدت شبهة أو فات محل في جرائم الحدود والقصاص أو وقع عفو من جهة الادعاء الشخصي. ” أولياء الدم” في جرائم القصاص ، يعاقب مرتكبها بالعقوبة البديلة المقررة لها شرعا ، فإن لم يكن لها بديل شرعي ، انقلب وضعها إلى جريمة تعزيرية .

[3] المادة 92: الجرائم التعزيرية جنايات أو جنح حسب العقوبة المقررة لها قانوناً على  التفصيل المبين في القسم الثالث من هذا القانون .

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم حسب الحق المعتدى عليه

يرى الإمام محمود شلتوت[1] أن الشريعة سلكت في تقرير العقوبات الدنيوية مسلكين بارزين الأول عقوبات نصية والثاني عقوبات تفويضية.

أما العقوبات النصية فهي الواردة في القرآن والسنة على عقوبات لجرائم معينة هي من عموم الجرائم بمنزلة الأمهات نظراً إلى دلالتها على تأصيل الشر في نفس الجاني وإلى شدة ضررها في المجتمع وإلى حرمة ما وقعت عليه في الفطرة البشرية وهي الجرائم الآتية:

الاعتداء على الدين بالردة[2] الاعتداء على الأعراض بالزنا أو بالقذف عقوبة الاعتداء على الأموال بالسرقة أو على الأمن العام بالمحاربة والإفساد في الأرض عقوبة الاعتداء على العقل بشرب المسكر[3] عقوبة الاعتداء على النفس بالقتل أو بما دونه من القطع أو الجرح.

وينبغي أن يلاحظ هنا أن هذه الجرائم التي نصت عليها الشريعة وعلى عقوباتها منها ما يراه العلماء اعتداء على حق لله خالص وذلك بحرمة الدين والنسب والأمن العام ومنها ما يعتبرونه جامع بين حق الله وحق العبد وحق العبد فيه كحرمة نفس الآدمي وأعضائه ومنها ما يعتبرونه جامعاً بين الحقين وحق الله فيه غالب فيما يتعلق بالأعراض.

ويبدو أن الدكتور توفيق الشاوي[4] يوافقه الرأي في هذا التقسيم ويقول: “إن عد العقوبة المقررة لجريمة ما معياراً لجسامتها وخطورتها يسهل دراسة الجرائم أو تطبيق الأحكام استناداً إلى هذا المعيار التطبيقي أو المدرسي ويسهل مهمة شراح النصوص والقائمين بتنفيذها.

لكن فقه شريعتنا كما قدمنا من قبل له مهمة تتجاوز ذلك فهو يقوم باستنباط الأحكام لما يستجد من قضايا ولذلك يتعمق في فهم النصوص وليستكشف ناحية الخطورة في الفعل وأهمية الحق الذي تضرر به ودور هذا الحق في بناء المجتمع وحياة أفراده لأن هذا هو أساس العقوبة وهذا هو ما نسميه المعيار الموضوعي في تقسيم الجرائم لأنه يقوم على نوع الحق الذي وقع الاعتداء عليه فمعرفة هذا الحق المعتدى عليه تمكننا من أن نعتبر النص على حكم فرعي بالعقاب على فعل معين أساساً لنظرية شاملة تتفرع عنها قياساً أحكام تعزيرية للأفعال التي تضر بهذا الحق فيكون هناك مجموعة من الجرائم من أسرة واحدة تنسب إلى الجريمة التي شرع لها الوحي الإلهي عقوبة مقررة حداً أو قصاصاً فيكون حد الزنا والقذف منطلقاً للتعزير على أنواع متعددة من العدوان على حرمة الأعراض وحماية لكيان الأسر وحصانتها واستقرارها ويكون حد السرقة منطلقاً للتعزير على أنواع كثيرة من الاعتداءات على حرمة الأموال وحد الشرب منطلقاً للتعزير على كل فعل يضر بإرادة الأفراد وسلامة عقولهم وإدراكهم وحد الحرابة والبغي والردة (عند من يعدون هذه الجرائم حدية) مبرراً للتعزير على ما يسمى في عصرنا جرائم أمن الدولة الداخلي والخارجي أو الأمن الاجتماعي وهكذا.

ونحن ندعو للعناية بهذا التقسيم الموضوعي في مرحلة التنظير التي نحن فيها إننا نفضل المعيار الموضوعي الذي عبرنا عنه بأن هذه الجرائم قد خصصت لها العقوبات البدنية الرادعة لكي تحصن “حقوق الإنسان وحرماته وأسس المجتمع وقيمه الثابتة” وتردع من يعتدي عليها بطريق مباشر فالعقوبة القصوى (الحد أو القصاص) هي مجرد دليل على خطورة الجريمة ونتيجة لجسامة الفعل المعاقب عليه وإن السبب الذي فرض خطورتها هو عنصر موضوعي معياره أهمية الحق الفردي أو الكيان الاجتماعي الذي تهدده الجريمة والذي حرص المشرع الإلهي على حرمته وحمايته وقداسته بتقرير عقوبة بدنية على كل فعل يعد اعتداء مباشراً عليه.

لهذا السبب فإن هذه الجرائم الخطيرة التي فرض لها مشرعنا عقوبات مقدرة حداً أو قصاصاً يحسن أن نسميها جنايات بدلاً من عد لفظ الجناية مرادفاً لكلمة الجريمة ويكون فقهنا أكثر أصالة من التشريعات الوضعية لأنه يدخل في اعتباره المعيار الموضوعي وهو أهمية الحقوق والقيم التي تبرر تقرير عقوبة حدية أو قصاص في تلك الأحوال”.


[1] الإسلام عقيدة وشريعة ص 282 وما بعد

[2] يشكك الإمام بأنها من الحدود باعتبار أنها شرعت بناء على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “من بدل دينه فاقتلوه” وهو من أحاديث الآحاد ويرفض كثير من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد وأن الحديث مخالف لظواهر القرآن الكريم

[3] يرى الإمام أن العقوبة هي تعزيرية وليست حداً ملتزماً في كمه وكيفه

[4] الموسوعة العصرية في الفقه الجنائي الإسلامي ج 1 ص 224/أ وما بعد بتصرف

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم بحسب طبيعتها الخاصة

تصنف الجرائم بحسب طبيعتها إلى جرائم عادية وجرائم سياسية

الجريمة السياسية في الفقه الإسلامي هي أعمال العنف التي يرتكبها الخارجون على السلطة القائمة بناء على إدعاء بأنها سلطة غير شرعية وهو ما يعبر عنه بأنهم متأولون ونظراً لأن العنف الذي يرتكبونه يضار به أفراد الناس العاديون الذين لا دخل لهم في هذا الخلاف فإن فقهنا الإسلامي يسميهم بغاة ويقرر لهم معاملة خاصة يقصد بها إعادة الأمن لجمهور الناس ولو اقتضى ذلك تقريراً لبعض الحقوق لهم مقابل تراجعهم عن هذا العنف.

وما قاله فقهاؤنا عن “حقوق هذا النوع من الثوار” ومسؤوليتهم قبل الثورة وفي أثنائها وبعدها هي حقوق يراعى فيها أن جريمتهم سياسية لأنهم يعتقدون أنهم يدافعون عن حكم شرعي وهذا هو ما يسمى بالتأول ولهذا السبب فإنهم يجب ألا يعاملوا كمجرمين عاديين ولا يعاقبوا بالعقوبات العادية عن الأعمال التي يرتكبونها في مقاومتهم أو ثورتهم ما دامت قد وقعت في حالة ثورة أو حرب أهلية ضد سلطان يحسبونه غير شرعي إذا كان هذا الحسبان خاطئاً أما إذا كان هذا الحسبان صحيحاً وكانت السلطة ظالمة أو فاسقة أو كافرة أو مغتصبة للحكم فإن فعلهم يعتبر فعلاً شرعياً صحيحاً يقومون به لرفع الظلم عن الأمة[1].

إذن العبرة في وصف الجريمة أنها سياسية هو التأول أي ادعاء وجود مبرر شرعي للخروج والثورة على السلطة القائمة الذي يصل إلى حد يمكن وصفه بالثورة أو الحرب الأهلية أما الجرائم العادية مثل القتل أو إلقاء القنابل أو غير ذلك من أعمال العنف التي ترتكب لغرض سياسي دون وجود حالة عامة يمكن وصفها بأنها انتفاضة أو ثورة أو حرب أهلية فهي جرائم عادية ويجب التفرقة بينها وبين الجريمة السياسية الشرعية البحتة فتطبق على الجرائم العادية القواعد العامة حتى ولو كانت قد ارتكبت لغرض سياسي طالما أنه لم يكن هناك خروج أو حرب أهلية أو ثورة مثال ذلك ما حدث لقاتل سيدنا علي بن أبي طالب إذ طبقت عليه القواعد العامة وحكم عليه بالقصاص.

إذن الجريمة السياسية البحتة هي الخروج أو الثورة على حكم يعده الثائرون ظالماً أو باغياً أو فاقداً للمشروعية إذا كانوا مخطئين وكان الإمام الذي خرجوا عليه شرعياً مثل سيدنا علي وهذه الأحكام التي تقرر ضمانات أو امتيازات لهؤلاء البغاة تطبق من باب أولى على من يخرجون على وضع غير شرعي وتوصف السلطة التي يخرجون عليها بأنها باغية.

وإذا كان الفقهاء قد اصطلحوا على تسمية فريق الخارجين بالبغاة فإنهم يسمون الفريق الآخر الذي لم يخرج عليه بأهل العدل.

الشروط التي يجب توافرها في المجرمين والسياسيين أو البغاة: نستطيع أن نستخلص من تعريف البغاة ومما سبق الشروط التي يجب توافرها في المجرم وعمله ليعتبر مجرماً سياسياً أو باغياً:

أولاً- الغرض من الجريمة: يشترط أن يكون الغرض من الجريمة إما عزل رئيس الدولة أو الهيئة التنفيذية وإما الامتناع عن الطاعة فإذا توفر الغرض على هذا الوجه مع توفر الشروط الأخرى كانت الجريمة سياسية والمجرم سياسياً أما إذا كان الغرض من الجريمة إحداث أي تغيير يتنافى مع نصوص الشريعة كإدخال نظام غير إسلامي أو تمكين دولة أجنبية من التسلط على البلاد أو إضعاف قوة الدولة أمام غيرها من الدول إذا كان الغرض من الجريمة شيئاً من هذا أو مثله فإن الجريمة لا تكون بغياً – أي سياسية – وإنما هي إفساد في الأرض ومحاربة لله ورسوله وهي جريمة عادية قررت لها الشريعة عقوبة قاسية.

ثانياً- التأول: يشترط في البغاة – أي المجرمين – أن يكونوا متأولين أي أن يدعوا سبباً لخروجهم ويدللوا على صحة ادعائهم ولو كان الدليل في ذاته ضعيفاً كادعاء الخارجين على الإمام عليّ بأنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم وكتأول بعض مانعي الزكاة في عهد أبي بكر بأنهم لا يدفعون الزكاة إلا لمن كانت صلاته سكناً لهم طبقاً لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} إلى قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} [التوبة: 103]  فإذا لم يدعوا سبباً للخروج أو ادعوا سبباً لا تقره الشريعة إطلاقاً كأن طلبوا عزل رئيس الدولة دون أن ينسبوا إليه شيئاً أو طلبوا عزله لأنه ليس من بلدهم فهم قطاع طريق يسعون في الأرض بالفساد ولهم عقوبتهم الخاصة وليسوا بأي حال بغاة أو مجرمين سياسيين.

ثالثاً- الشوكة: يشترط في الباغي – أي المجرم السياسي – أن يكون ذا شوكة وقوة لا بنفسه بل بغيره ممن هم على رأيه فإن لم يكن من أهل الشوكة على هذا الوصف فلا يعتبر مجرماً سياسياً ولو كان متأولاً.

رابعاً- الثورة أو الحرب: ويشترط بعد ذلك كله أن تقع الجريمة في ثورة أو حرب أهلية اشتعلت لتنفيذ الغرض من الجريمة فإن وقعت الجريمة في غير حالة الثورة أو الحرب الأهلية فهي ليست بغياً أي جريمة سياسية وإنما هي جريمة عادية يعاقب فاعلها بالعقوبة العادية المقررة لها. وتلك هي سنة عليّ بن أبي طالب في الخوارج فلقد عرض قوم من الخوارج به فنادوا وهو يخطب على منبره: لا حكم إلا الله يعرضون به لأنه قبل التحكيم فرد عليّ من على منبره قائلاً: كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله لا نبدؤكم بقتال ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا أي ما دمتم لم تثوروا علينا.

حقوق البغاة ومسئوليتهم قبل الثورة: للبغاة أن يدعوا إلى ما يعتقدون بالطريق السلمي المشروع ولهم الحرية في أن يقولوا ما يشاءون في حدود نصوص الشريعة وللعادلين أن يردوا عليهم ويبينوا لهم فساد آرائهم فإذا خرج أحد من الفريقين في قوله أو دعوته على النصوص الشرعية عوقب على جريمته باعتبارها جريمة عادية فإن كان قاذفاً حد وإن كان ساباً عزر وإن أرتكب احد البغاة أية جريمة عوقب عليها باعتبارها جريمة عادية.

وللبغاة حق الاجتماع فإذا تحيزوا أو اجتمعوا في مكان معين فلا سلطان لأحد عليهم ما داموا لم يمتنعوا عن حق أو يخرجوا عن طاعة وهذه أيضاً سنة علي بن أبي طالب في الخوارج فقد اعتزلت طائفة من الخوارج علياً عليه السلام بالنهروان فولى عليهم عاملاً أقاموا على طاعته زمناً وهو لهم موادع إلى أن قتلوه فأنفذ إليهم علي: أن سلموا القتلة فأبوا فقالوا: كلنا قتلة فلما خرجوا عن الطاعة وجاهروا بالعصيان قاتلهم عليّ.

ويشترط مالك والشافعي وأحمد أن يبدأ أهل البغي بالقتال حتى يقاتلوا أهل العدل وفي هذه الحال تستحل دماؤهم أما أبو حنيفة فيكتفي بتجمعهم وامتناعهم ويرى في ذلك ما يكفي لقتالهم.

حقوق البغاة ومسئوليتهم أثناء الثورة وما بعدها:

أول المبادئ المقررة في الجرائم السياسية هو أن من يدعون أنهم أهل العدل لا يجوز أن يجعلوا ذلك مبرراً لاستئصال من يقاومونهم حتى لو كانوا عادلين فعلاً فإذا اشتعلت الثورة أو قامت الحرب الأهلية كان على ولي الأمر أن يقصد من القتال ردع البغاة لا قتلهم وإفنائهم وأن يقاتل من أقبل منهم ويكف عمن أدبر وهرب وأن لا يجهز عن جريحهم وأن لا يقتل أسيرهم أو من ألقوا سلاحهم منهم وأن لا يصادر أموالهم وأن لا يستولي على نساؤهم وأولادهم لأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “منعت دار الإسلام ما فيه”.

فإذا انتهت حالة الحرب وانطفأت الثورة وجب على ولي الأمر أن يرد على البغاة أموالهم التي في يد أهل العدل وما تلف منها في غير قتال فهو مضمون على متلفه وأما ما أتلفه أهل البغي في ثائرة الحرب من نفس ومال فهو هدر وما أتلفوه على أهل العدل في غير ثائرة الحرب من نفس ومال فهو مضمون عليهم وهم مسئولون عنه وهذا هو الرأي الراجح أما الرأي الأخر فيرى أصحابه تضمين البغاة ما أتلفوه في الحرب وحجتهم أن المعصية لا تبطل حقاً ولا تسقط غرماً.

أما حجة أصحاب الرأي الأول فهي أن الفتنة العظمى وقعت أيام علي ومعاوية فأجمع الصحابة على أن لا يقام حد على رجل ارتكب محرماً بتأويل القرآن ولا يغرم مالاً أتلفه بتأويل القرآن ويحتجون كذلك بأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ فلا تضمن ما أتلفته على أهل العدل كما لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه ولأن تضمن أهل البغي يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة.

وإذا كان البغاة لا يسألون عن الجرائم التي ارتكبوها أثناء الثورة من إهلاك للأنفس والأموال فإن لولي الأمر – إن لم يعف عن جرائمهم – أن يعاقبهم على خروجهم عن الطاعة بعقوبة تعزيرية إن رأى في ذلك مصلحة ولكن يشترط أن لا تكون هذه العقوبة القتل عند مالك والشافعي وأحمد لأنهم لا يبيحون قتل الجريح ولا الأسير فأولى أن لا يباح قتل المسلم أما أبو حنيفة فيبيح قتل الأسير للمصلحة العامة ويبيح قتل البغاة على أثر الظهور عليهم فالقياس عنده أن يقتل الباغي تعزيزاً.

عقوبة البغاة أو المجرمين السياسيين في الشريعة الإسلامية: ظاهر مما تقدم أن عقوبة البغاة تختلف باختلاف الأحوال فالجرائم التي يرتكبونها قبل الثورة والحرب أو بعدها يعاقبون عليها بعقوباتها العادية لأنها جرائم عادية لم تقع في حالة ثورة أو حرب أما الجرائم التي ترتكب أثناء الثورة أو الحرب الأهلية فما اقتضته منها حالة الثورة أو الحرب كمقاومة رجال الدولة وقتلهم والاستيلاء على البلاد وحكمها والاستيلاء على الأموال العامة وجبايتها وإتلاف السكك والجسور وإشعال النار في الحصون ونسف الأسوار والمستودعات وغير ذلك مما تقتضيه طبيعة الحرب فهذه الجرائم السياسية وتكتفي الشريعة فيها بإباحة دماء البغاة وإباحة أموالهم بالقدر الذي يقتضيه ردعهم والتغلب عليهم فإذا ظهرت الدولة عليهم وألقوا سلاحهم عصمت دماؤهم وأموالهم وكان لولي الأمر أن يعفو عنهم أو أن يعزَّرهم على خروجهم لا على الجرائم التي ارتكبوها أثناء خروجهم فعقوبة الخروج إذن هي التعزير وهو جريمة سياسية أما عقوبة الجرائم التي تقتضيها حالة الحرب أو الثورة فهي القتل بالشروط التي ذكرناها سابقاً.

هذا هو حكم الجرائم التي تقع أثناء الثورة أو الحرب وتقتضيها طبيعة الحرب والثورة أما الجرائم التي تقع من البغاة ولا تستلزمها طبيعة الثورة أو الحرب فهذه تعتبر جرائم عادية يعاقبون عليها بالعقوبات العادية ولو أنها وقعت أثناء الثورة أو الحرب كشرب الخمر والزنا وقتل أحد البغاة زميلاً له أو سرقة ماله.

تعتبر جرائم السلطة المستبدة جرائم عادية لا تشملها الضمانات المقررة للجرائم السياسية: إذا كان الحاكم الذي ثار عليه الثوار غير شرعي فلا تعتبر الجرائم التي يرتكبها لقمع هؤلاء الثوار جرائم سياسية وبالتالي لا تشملها الضمانات السابقة فلا يجوز اعتبار مجرد الرغبة في البقاء في السلطة المغتصبة بالقوة هدفاً سياسياً بل هو غاية شخصية أنانية تستدعي التشديد لا التخفيف وأصحاب هذا الصنف من السلاطين الظلمة أو البغاة من أصحاب السلطة الواقعية المفروضة لا يقصدون التضحية بأنفسهم من أجل هدف عام للشعوب مثل المتأولين الذين يثورون على الحكام الذين يعتقدونهم ظلمة بل إنهم يستخدمون سلطات الدولة وقوتها لأهداف أنانية هي البقاء في السلطة وإذا كانت القوانين الوضعية تقصر صفة البغاة على من تكون أفعالهم ضد الحكام أو نظام الحكم القائم وكان شراحها يقرون ذلك فإن هذا يرجع إلى أن تلك القوانين تضعها الدولة وحكامها لحماية نظام الحكم بغض النظر عن شرعية وجوده أما الشريعة الإسلامية فهي تعاقب على بغي أصحاب السلطة وتعده جريمة عادية ولا تعطي للحكام ميزة حسبان جريمتهم سياسية بل يعاقبون على جريمة عادية لأن معيار الشرعية في الشريعة واضح وهو وصول الحاكم إلى السلطة بمقتضى اختيار حر من الأمة واستمراره بعد ذلك بالحكم بالعدل.


[1] إن الخروج على الحاكم أمر جد خطير لذلك لا ينبغي أن يترك بين أيدي العامة بل يتولى البت فيه أشخاص لهم دراية ومعرفة بأحوال المسلمين وحال الدولة الإسلامية وهم الذين يقررون عدم شرعية الحاكم وقد يقررون السكوت عن تجاوزاته وإبقاءه في منصبه حسب حال المسلمين حينها فإن قرروا عدم شرعيته ووجوب تنحيه عن الحكم فرفض التنحي وتمسك بالسلطة بالقوة والغصب فلا يجوز لآحاد الرعية الثورة عليه لما ينتج عن ذلك من إثارة فتن وزيادة محن ولكن تجوز الثورة خلف رجل له أتباع يقوم محتسباً لله مع مراعاة المصالح والنظر في مآلات الأمور والموازنة ما بين المصالح والمفاسد.

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم حسب الركن المعنوي

تصنف الجرائم بحسب الركن المعنوي إلى جرائم مقصودة وجرائم غير مقصودة:

الجرائم المقصودة: هي التي يرتكبها الجاني عن وعي وإرادة بطبيعة الفعل الجرمية وبالنتيجة التي تترتب عليه ويقصد ارتكاب هذا الفعل ويريد وقوع النتيجة أو يتوقع احتمال وقوع النتيجة جراء فعله ويقبل بها.

الجرائم غير المقصودة: وهي الجريمة القائمة على الخطأ أي يرتكبها الجاني ولا تتوافر لديه عناصر القصد الجرمي ولكنه يخالف واجبات الحيطة والحذر فلا يتوقع النتيجة مع أن الواجب يفرض عليه توقعها وباستطاعته توقعها والحيلولة دون حدوثها أو توقعها ولكن اعتقد أن بإمكانه اجتنابها أو يتوقع النتيجة ولا يقبل بها معتمداً على مهارته لاجتنابها.

تظهر أهمية تقسيم الجرائم إلى مقصودة وغير مقصودة من حيث أن الجريمة المقصودة تدل على روح إجرامية لدى الجاني أما غير المقصودة فليس فيها ما يدل على ميل الفاعل للإجرام ومن ثم كانت عقوبة الجريمة المقصودة شديدة وعقوبة الجريمة غير المقصودة خفيفة.

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم بحسب الركن المادي

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم بحسب الركن المادي فيها

1- جرائم إيجابية وجرائم سلبية:

والجريمة الإيجابية: تتكون من ارتكاب فعل منهي عنه كالسرقة والزنا والضرب.

والجريمة السلبية: تتكون من الامتناع عن أداء فعل مأمور به كامتناع الشاهد عن أداء الشهادة والامتناع عن إخراج الزكاة أو القاضي عن الحكم بالدعوى.

ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الجريمة السلبية إذا وقعت على هذا الوجه استحق فاعلها العقوبة فمن حبس إنساناً ومنعه الطعام أو الشراب أو الدفء في الليالي الباردة حتى مات جوعاً أو عطشاً أو برداً فهو قاتل عمداً إن قصد بالمنع قتله وذلك ما يراه مالك والشافعي وأحمد أما أبو حنيفة فلا يرى الفعل قتلاً لأن الهلاك حصل بالجوع والعطش والبرد ولم يحصل بالحبس ولا صنع لأحد في الجوع والعطش والبرد ولكن أبا يوسف ومحمداً يريان الفعل قتلاً عمداً لأنه لا بقاء لآدمي إلا بالأكل والشرب والدفء فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش والبرد على الممنوع يكون إهلاكاً له.

ومن منع ما فاض عنه من مائه عن شخص لا ماء لديه وهو يعرف بأنه لا يجوز له منعه وأنه يموت إن لم يسقه اعتبر قاتلاً له عمداً وهو رأي في مذهب مالك ويرى بعض فقهاء مذهب أحمد أنه قتل شبه عمد.

وإذا حضر نساء ولادة فقطعت إحداهن الحبل السُّري ولم تربطه بعد قطعه متعمدة الامتناع عن ربطه فمات الوليد بسبب ذلك فهي قاتلة له ومن الممكن اعتبار بقية الحاضرات قاتلات إذا لم يرون أيضاً ربط الحبل السري لأن القطع غير قاتل بحد ذاته وإنما القاتل ترك الربط ولما كن جميعاً قد تعمدن ترك الربط فالقتل ينسب إليهن جميعاً.

ولا خلاف على مسؤولية الممتنع عن الجريمة العمدية إذا كان الواجب الذي لم يقم به مقرراً بموجب العقد أو القانون أما إذا كان الواجب عرفياً فيرى بعض الفقهاء أنه لا يقتص منه ولكن يعزر.

2- جرائم بسيطة وجرائم اعتياد:

الجريمة البسيطة: هي التي تتكون من فعل واحد كالسرقة والشرب وجرائم الحدود والقصاص أو الدية كلها جرائم بسيطة.

وجريمة الاعتياد: هي التي تتكون من تكرر وقوع الفعل أي أن الفعل الواحد لا يعتبر جريمة ولكن الاعتياد على ارتكابه هو الجريمة.

وجرائم الاعتياد توجد بين جرائم التعازير ويستدل عليها من النص المحرم للفعل فإن كان يشترط للعقاب اعتياد الفعل فالجريمة جريمة عادة وإن كان يكتفي بمجرد وقوع الفعل فالجريمة بسيطة.

وأهمية هذا التقسيم تبرز بالنسبة لحساب التقادم الذي يبدأ بعد الانتهاء من ارتكاب الفعل المشكل للجريمة الآنية وبعد الانتهاء من تكرار ارتكاب الفعل الذي يشكل جريمة بالنسبة لجرائم التكرار أيضاً تبرز أهمية هذا التقسيم بالنسبة لتحديد لاختصاص المحلي للمحاكم في حال ارتكب التكرار في عدة مناطق تتبع كل منها لدائرة عدلية مختلفة.

3- تقسيم الجرائم إلى جرائم آنية وجرائم مستمرة وجرائم متعاقبة:

– الجرائم الآنية: وتسمى أيضاً الجرائم المؤقتة وهي التي تتكون من فعل أو امتناع يحدث في وقت محدود ولا يستغرق أكثر من الوقت اللازم لوقوع الفعل أو قيام حالة الامتناع مثل جريمة السرقة فإنها تتم بمجرد وقوع الفعل أي أخذ الشيء خفية ومثل جريمة الشرب فإنها تتم بمجرد شرب الخمر ومثل جريمة كتمان الشهادة فإنها تتم بمجرد الامتناع عن أداء الشهادة.

– الجريمة المستمرة: هي التي تتكون من فعل أو امتناع قابل للتجدد والاستمرار فيستغرق وقوعها كل الوقت الذي تتجدد فيه الجريمة أو تستمر ولا تعتبر الجريمة منتهية إلا بانتهاء حالة التجدد أو الاستمرار ومثال ذلك حبس شخص دون حق والامتناع عن إخراج الزكاة والامتناع عن تسليم طفل إلى حاضنه وحمل السلاح بدون ترخيص.

– الجريمة المتعاقبة: وهي الجريمة التي تتجدد الأفعال فيها أو تتكرر بصورة متعاقبة أو متلاحقة كضرب المجني عليه عدة مرات أو السرقة عدة مرات وما يجمع هذه الجرائم هو وحدة الحق المعتدى عليه ووحدة الغرض ووحدة الإرادة الجرمية وهذه الوحدة تجعل من الأفعال المتعددة والمتعاقبة جريمة واحدة وإن تعددت عناصرها وفصلت بين هذه العناصر فترة أو فترات زمنية متعاقبة.

ولم يذكر الفقهاء شيئاً عن تقسيم الجرائم إلى جرائم آنية وجرائم مستمرة وعلة ذلك أن الفقهاء يهتمون فقط بجرائم الحدود وجرائم القصاص والدية وهذه الجرائم كلها آنية فلم يكن هناك إذن ما يدعو للتفرقة بين الجريمة المؤقتة والجريمة غير المؤقتة.

أما جرائم التعازير فبعضها مؤقت وبعضها مستمر وبعضها متعاقب ولكن الفقهاء جروا على إهمال بحث أحكام هذه الجرائم.

لهذا التقسيم أهمية من عدة نواح هي:

– قوة الشيء المقضي به: يعتبر الحكم في الجريمة الآنية صادراً عن الواقعة التي عرضت على المحكمة فإذا كانت هناك وقائع أخرى سابقة لم تعرض على المحكمة فلا يعتبر الحكم شاملاً لها ولو كانت من نوع الواقعة التي صدر عنها الحكم وكذلك الحال في الوقائع التي حدثت بعد صدور الحكم أما في الجرائم المستمرة والمتعاقبة فيعتبر الحكم شاملاً لجميع الوقائع السابقة على رفع الدعوى ولو لم تعرض بعض هذه الوقائع على المحكمة لأن كل الوقائع تكون جريمة واحدة ومن ثم فلا يجوز رفع الدعوى من جديد عن الوقائع التي لم تعرض على المحكمة ما دام سابقة على صدور الحكم.

– كما أن زمن الجريمة الذي يؤخذ بالحسبان لتطبيق القانون الجزائي في الزمان هو زمن توقف حالة الاستمرار في الجريمة المستمرة وانتهاء آخر فعل في الجريمة المتعاقبة.

– أيضاً يفيد التقسيم في تحديد المحكمة المختصة فينعقد الاختصاص المكاني لجميع المحاكم التي وقع في دائرتها فعل من الأفعال المكونة لجريمة مستمرة أو متعاقبة. – يبدأ التقادم على الدعوى العامة في الجريمة المستمرة في اليوم التالي لانتهاء حالة الاستمرار وفي الجرائم المتعاقبة في اليوم التالي لانتهاء أخر فعل من هذه الجرائم.

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم

تتفق الجرائم جميعاً في أنها فعل محرم معاقب عليه ولكنها تتنوع وتختلف إذا نظرنا من غير هذه الوجهة وعلى هذا يمكننا أن نصنف الجرائم أصناف متنوعة تختلف باختلاف وجهة النظر إليها

يصنف الفقه الإسلامي التقليدي الجرائم من حيث صاحب الحق في العقوبة إلى حدود وقصاص أو دية وتعازير[1] ويرى بعض الفقهاء المعاصرون[2] إمكانية وجود تصنيف للجرائم باعتبارات أخرى فتصنف الجرائم باعتبار الركن المادي إلى جرائم إيجابية وجرائم سلبية وإلى جرائم بسيطة وجرائم اعتياد والى جرائم آنية وجرائم مستمرة وجرائم متعاقبة وتصنف الجرائم باعتبار الركن المعنوي إلى جرائم مقصودة وجرائم غير مقصودة وإذا نظرنا إلى طبيعتها الخاصة تصنف إلى جرائم عادية وجرائم سياسية.

ويرى أخرون[3] إضافة تصنيف موضوعي جديد هو تمييز الجرائم التي تعد اعتداء على حقوق الإنسان الشرعية الفطرية في سلامة بدنه وحياته التي خصتها الشريعة بعقوبات القصاص وكذلك الجرائم التي تعد اعتداء على النظام الاجتماعي القائم على حرمة الأعراض وحصانة الأسرة وحماية الأموال وسلامة العقل والوعي والإرادة والمعتقدات الدينية وما يتصل بها وخصتها بعقوبات مقدرة تمييزاً لها عن الجرائم التي يكفي فيها التعازير وهي الجزاء الجنائي العام وسنستعرض كل هذه التصنيفات ثم نبين ما أخذ به القانون الجزائي العربي الموحد ونناقش هذا الاتجاه.

التصنيف المبني على أساس صاحب الحق بالعقوبة:

تصنف الجرائم بحسب صاحب الحق بالعقوبة إلى ثلاثة أقسام:

1- جرائم الحدود[4]: وهي الجرائم المعاقب عليها بحد والحد هو العقوبة المقدرة حقاً لله تعالى ومعنى العقوبة المقدرة أنها محددة معينة فليس لها حد أدنى ولا حد أعلى ومعنى أنها حق لله أنها لا تقبل الإسقاط لا من الأفراد ولا من الجماعة وجرائم الحدود معينة ومحدودة العدد وهي على رأي أكثر الفقهاء سبع جرائم: الزنا , القذف , الشرب , السرقة , الحرابة , الردة , البغي[5].

2- جرائم القصاص والدية: وهي الجرائم المعاقب عليها بقصاص أو دية والقصاص هو العقوبة القصوى للجريمة وهو يجب لصالح ولي الدم فإن عفا ولي الدم عن القصاص أو قبل بالدية باعتبارها تعويضاًً مالياً بدلاً منه بقي حق المجتمع فالفعل لا يزال جريمة يعاقب عليها المجتمع لحفظ مصلحته وهنا يجب على القاضي النزول بالعقوبة عن حدها الأقصى وهو القصاص والحكم بعقوبة تعزيرية أخف منه وجرائم القصاص والدية خمس: القتل العمد , القتل شبه العمد , القتل الخطأ , الجناية على ما دون النفس[6] عمداً , الجناية على ما دون النفس خطأ.

3- جرائم التعازير: هي الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبة أو أكثر من عقوبات التعزير وهي حق للمجتمع يقرره أولي الأمر[7] أو القاضي ومعنى التعزير التأديب ولم يرد تحديد عقوبة لكل جريمة تعزيرية بل ما ورد هو تقرير مجموعة من العقوبات وترك لأولي الأمر أو للقاضي أن يختار العقوبة المناسبة لكل جريمة لا تدخل ضمن جرائم الحدود أو القصاص وجرائم التعزير غير معددة على سبيل الحصر كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص إلا أن الشريعة نصت على بعضها وهو ما يعتبر جريمة في كل وقت كالربا وخيانة الأمانة والسب والرشوة وتركت لأولي الأمر النص على بعضها الآخر مسترشدين بما تهديهم له المصلحة العامة للدولة.

ويرى الدكتور الشاوي أن تصنيف الجرائم إلى ثلاثة أنواع حدود وقصاص وتعازير يعني أن التعازير هي قسم من أقسام الجرائم ونوع منها وأن التعزير خاص بنوع واحد من الجرائم التي لا تستحق عقوبة حدية ولا قصاصاً ويرى أيضاً رحمه الله أن التعازير تشمل كل الجرائم ويعتمد على أن جمهور الفقهاء يرون أنه يمكن أن يضاف إلى عقوبات الحدود والقصاص العقوبة التعزيرية ومتفقون على التعزير إذا لم يمكن فرض عقوبة الحد أو القصاص بسبب لا يزيل صفة الجريمة عن الفعل ويقول: “إننا نرى الاحتراز من الخلط بين تقسيم العقوبات إلى ثلاثة أنواع وجعله تقسيماً للجرائم ونعتقد أن من الواجب مراعاة التفرقة بين أحكام الجرائم وأحكام العقوبات …. ونرى أن التعازير هي الأصل وأن الحدود والقصاص تطبق فقط في حالة توفر شروط معينة نعدها ظرفاً مشدداً أي أنها عقوبات استثنائية بديلة عن التعازير عندما يتوافر الظرف المشدد الذي يستوجب ذلك ولذلك فإن مهمتنا هي تحديد الظرف المشدد في كل جريمة لها عقوبة مقررة بنص شرعي”.


[1] لا نوافق على ما ذهب إليه الشهيد عبد القادر عودة من أن تقسيم الجرائم إلى حدود وقصاص وتعزير هو تقسيم حسب شدة العقوبة فإن بعض عقوبات القصاص تصل للقتل وهي بلا شك تفوق بجسامتها عقوبة بعض الحدود وعليه فلا يمكن القول بأن عقوبة جرائم الحدود أشد جسامة من عقوبة جرائم القصاص إضافة إلى أن بعض الفقهاء يرون أن عقوبة التعزير قد تصل للقتل وإذا أخذنا برأيهم فإن عقوبات التعزير قد تصل أبعد من بعض عقوبات الحدود والقصاص.

[2] عبد القادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ج 1 ص 78

[3] الإمام محمود شلتوت والدكتور توفيق الشاوي

[4] يسميها الفقهاء “الحدود” دون إضافة اللفظ جرائم إليها وعقوباتها تسمى الحدود أيضاً ولكنها تميز بالجريمة التي فرضت عليها فيقال: حد السرقة حد الشرب ويقصد من ذلك عقوبة السرقة وعقوبة الشرب

[5] يرى بعض الفقهاء أن الشرب والردة ليستا من الجرائم الحدية وسنفصل الآراء في موضعها إن شاء الله.

[6] الجناية على ما دون النفس: الاعتداء الذي لا يؤدي للموت كالجرح والضرب وبعض الفقهاء يتكلمون عن هذا القسم تحت عنوان الجنايات والبعض الأخر تحت عنوان الجراح والبعض يؤثرون لفظ الدماء عنواناً لهذا القسم.

[7] يقصد بأولي الأمر الهيئة التي تتولى حكم البلاد بعد اختيارها اختياراً حراً من قبل الأمة

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تطبيق القانون الأجنبي (المادة 14)



[1] لا يحق للقاضي الوطني أن يطبق أي قانون أجنبي على الجرائم التي تخضع لاختصاص المحاكم الوطنية.

ويمتد اختصاص القضاء الوطني ليحاكم على جرائم وقعت خارج إقليم الدولة في حالتين هما:

الجرائم التي يرتكبها مواطنو الدولة خارج إقليم دولهم أياً كان الإقليم الذي ارتكبها فيه وهو ما يعرف بمبدأ شخصية التشريع الجنائي.

كما يشمل اختصاص القضاء الجنائي عادة النظر في كل جريمة يقبض على مرتكبها في الإقليم الوطني وذلك أيا كان مكان ارتكابها وأياً كانت جنسية مرتكبها ويقتصر تطبيق هذا المبدأ عادة على مجموعة محدودة من الجرائم تهم المجتمع الدولي كله كالقرصنة والاتجار بالمخدرات وتزييف النقود وتجارة الرقيق والدعارة والقيد الذي يرد على هذا الاختصاص هو عدم محاكمة المجرم أمام محكمة أجنبية وهذا المبدأ يسمى عالمية التشريع الجنائي.

ونلاحظ أن واضع القانون الجزائي العربي لم ينص على أية حالة من هذه الحالات في مواد القانون الذي بين أيدينا.

تطبيق القانون الجزائي على الأشخاص:

لم يحدد القانون الجزائي العربي الموحد كيفية تطبيق القانون الجزائي على الأشخاص هل يتم على وجهة المساواة أم على وجه التفاوت تبعاً لعقيدة الشخص أو مكانته أو جنسيته والإجابة على هذه النقطة تقتضي التقرير أن المساواة في الشريعة الإسلامية أصل لا يتخلف إلا عند وجود مانع فلا يحتاج إثبات التساوي في التشريع بين الأفراد إلى البحث عن موجب المساواة بل يكتفي بعدم وجود مانع من اعتبار التساوي.

ولذلك فالأصل أن تطبيق القانون الجزائي العربي الموحد يتم على جميع الأفراد دون تفريق إلا إذا ورد نص خاص بذلك وقد وردت الإشارة إلى ذلك في المادة 11 من القانون.


[1] يطبق القانون الجنائي العربي الموحد على  الجرائم المرتكبة خارج أقاليم الدول العربية، إذا كانت من اختصاص القضاء الجنائي لهذه الدول .