شرح القانون الجزائي العربي الموحد: التصنيف الذي اعتمده القانون الجزائي العربي الموحد

بعد أن استعرضت المذكرة الإيضاحية التصنيفات السابق ذكرها للجرائم قررت أن التصنيف التقليدي هو أهم هذه التصنيفات وبذلك أخذت به في المادة 88 من القانون[1] التي قسمت الجرائم إلى ثلاثة أنواع (حدود وقصاص وتعازير) وحصرت المادة 89 من القانون جرائم الحدود بسبعة جرائم وهي التي يعدها أغلب فقهاء الشريعة كذلك (الزنا , القذف , شرب الخمر , السرقة , الحرابة , البغي , الردة) كما حددت المادة 90 جرائم القصاص والدية بأنها القتل والضرب والجرح وأحالت بقية التفاصيل إلى القسم الثاني من القانون الذي يهتم بشرح جرائم الحدود والقصاص.

 أما التعازير فلا تطبق إلا في حالة عدم إمكان تطبيق الحد أو القصاص (المادة 91)[2] ومن ثم يصنف واضع القانون التعازير إلى صنفين (جنايات وجنح)[3] بحسب جسامة الجريمة ويضع معياراً لجسامة الجريمة هو شدة العقوبة.

ومن الغريب أن واضع القانون الجزائي العربي الموحد قد أهمل الأخذ بالتصنيف الموضوعي المبني على اعتبار الحق المعتدى عليه واعتبار جرائم الحدود والقصاص هي نماذج العقوبات الأشد للاعتداء الذي يقع على هذه الحقوق رغم أن هذا التصنيف يسمح بوضع نظرية عقابية لصياغة جرائم التعازير والعقوبات عليها بشكل يحقق الغاية من وضع العقوبة في الشريعة الإسلامية.

كما أن واضع القانون لم يوضح سبب اعتبار جرائم الحدود سبعة وكان الأولى به أن يناقش في المذكرة الإيضاحية سبب اعتماده لبعض الأقوال دون غيرها ويرد على من يرى الحدود خمساً ويستثني منها الردة والشرب كما أن إهمال تعريف الجريمة السياسية وعدم الأخذ بالمعايير التي وضعها فقهاء الشريعة الإسلامية لتمييز الجريمة السياسية عن الجريمة العادية أمر يحتاج إلى توضيح وتبرير خصوصاً وأن هذا الأمر يتعلق بالحريات العامة بشكل مباشر ويشكل قيداً على النظام السياسي في الدولة يمنعه من استخدام القانون الجزائي لتصفية المعارضين له.

أيضاً أهمل واضع القانون الجزائي العربي الموحد تبيان موقفه من الجرائم السلبية رغم أنها أخذت جانباً واسعاً في الفقه الإسلامي من حيث الدراسة والبحث إضافة إلى ما لها من أهمية واقعية في تجريم أفعال معينة كالقتل عن طريق الامتناع الذي أفاض فقهاء الشريعة في البحث فيه وأهمله القانون الجزائي العربي الموحد إهمالاً تاماً سواء بعدم ذكر إمكانية وقع الجريمة بسلوك سلبي في القسم العام من القانون أو في القسم الخاص منه.

كما أن اعتبار أن التصنيف التقليدي هو الرئيسي لا يبرر بشكل كاف الإهمال التام للتصنيفات التي وضعها شراح القانون الوضعي كالتفريق بين الجرائم الآنية والمستمرة والمتعاقبة وجرائم الاعتياد وكان الأولى أن يتحدث عنها لما لها من أهمية في تحديد نطاق تطبيق القانون الجزائي في الزمان والمكان. كما أهمل واضع القانون التفريق بين الجريمة المقصودة والجريمة غير المقصودة ولم يبحث صور الخطأ وحالاته وصور العمد وحالاته رغم ما لها من أهمية في وصف الجريمة فبعض حالات الخطأ تقترب إلى كبير من الفعل العمدي والعكس أيضاً وارد فبعض حالات العمد تقترب من الخطأ لحد كبير ومذهب القانون الجزائي العربي الموحد بعدم البحث في هذا التصنيف يحتاج إلى تبرير لما لهذا التصنيف من أهمية .


[1] الجرائم حدية ، و قصاص أو دية ، و تعزيرية.

[2] كلما تخلف شرط أو اختل حكم أو تولدت شبهة أو فات محل في جرائم الحدود والقصاص أو وقع عفو من جهة الادعاء الشخصي. ” أولياء الدم” في جرائم القصاص ، يعاقب مرتكبها بالعقوبة البديلة المقررة لها شرعا ، فإن لم يكن لها بديل شرعي ، انقلب وضعها إلى جريمة تعزيرية .

[3] المادة 92: الجرائم التعزيرية جنايات أو جنح حسب العقوبة المقررة لها قانوناً على  التفصيل المبين في القسم الثالث من هذا القانون .

اترك رد