شرح القانون الجزائي العربي الموحد: الجريمة التامة

عناصر الركن المادي للجريمة التامة ثلاثة هي الفعل والنتيجة الإجرامية وعلاقة السببية بينهما.

– الفعل: هو سلوك المجرم حينما ارتكب جريمة أي تصرفه الذي نهى عنه القانون وقرر من أجله العقوبة ويعني ذلك أن الفعل صورة للسلوك الإنساني وما يميزه عن سائر صوره التي يأتيها الناس في حياتهم اليومية أن القانون قد نهى عن إتيانه ومؤدى ذلك أنه أسبغ عليه صفة غير مشروعة تجعله موضوع تجريمه والسبب الشرعي لتوقيع العقوبة على مقترفه.

وللفعل صورتين: صورة إيجابية تتمثل في الإتيان أو الحركة المادية الملموسة وصورة سلبية تتمثل في محض الامتناع أو الإحجام وإذا أطلق لفظ الفعل فإنه ينصرف إلى العمل الإيجابي ويمكن اصطلاحاً أن يستعمل تعبير الفعل السلبي للدلالة على الامتناع وقد فصلنا في المحاضرة الماضية في شرح الجريمة السلبية والجريمة الإيجابية.

– النتيجة الإجرامية:إذا وقع الفعل الذي ينهي عنه القانون ويجرمه بناء على ذلك فإنه تترتب عليه مجموعة من الآثار المادية يتمثل فيها العدوان على مصلحة قرر لها القانون الحماية فإذا ارتكب فعل القتل فإنه يترتب عليه أثر مادي هو وفاة المجني عليه وهذا الأثر يمثل عدوانًا على حق المجني عليه في الحياة وعلى مصلحة المجتمع في أن يحتفظ بكل من أفراده وهذا العدوان هو العلة الشرعية لتجريم القتل ذلك أنه عند انتفاء أي عدوان يترتب على الفعل لا يكون للتجريم ما يبرره.

والآثار التي تترتب على الفعل عديدة ومتنوعة وهي تتابع متلاحقة طبقًا لقوانين السببية ولكن القانون لا تعنيه جميع هذه الآثار وإنما يعنيه منها ذلك القدر الذي يتمثل فيه العدوان على المصلحة التي يحميها وعلى سبيل المثال فإن فعل القتل يترتب عليه وفاة المجني عليه عبر وسيلة معينة قد تكون الجروح وقد تكون إحداث خلل في أجهزة الجسم عن طريق السم مثلاً ولكن هذه الآثار المادية للفعل لا تتوقف عند ذلك وإنما تتلاحق هذه الآثار فموت المجني عليه يترتب عليه فقد عائلته مورد رزقها وقد يترتب على ذلك انحراف أبنائه ولكن القانون لا يعنيه في تحديد النتيجة في خصوص جريمة القتل الآثار التي تعقب حدوث الوفاة وإنما يقف اهتمامه عند حدوث الوفاة ويكتفي به في تحديد عناصر النتيجة الإجرامية في القتل. ويتضح بذلك أنه على الرغم من اختلاف مدلولي النتيجة فإن بينهما صلة وثيقة من حيث أن أحدهما موضوع الآخر ومن حيث أن أحدهما وسيلة تحديد ما يعتد به شرعًا من الثاني.

وتنقسم الجرائم إلى جرائم ضرر وجرائم خطر تبعًا للصورة التي تتخذها الآثار المادية المترتبة على الفعل فقد تتخذ هذه الآثار صورة العدوان الفعلي الحال على المصلحة التي يحميها القانون وقد تتخذ صورة العدوان المحتمل على هذه المصلحة والعدوان المحتمل يعني التهديد بالخطر في النوع الأول يكون اعتداد القانون بأثر تحقق فعلاً وفي النوع الثاني يكون اعتداده بأثر لم يتحقق بعد ولكن تحققه في مستقبل قريب محتمل في درجة عالية من الاحتمال والقانون يعتد في تجريم النوع الأول بأثر قد تحقق ويعتد في النوع الثاني بأثر لم يتحقق بعد ولكن تحققه محتمل وتوضيحاً لذلك فإن القانون يعتد في تجريم القتل بأثر تحقق فعلاً وهو موت المجني عليه ولكن إذا جرم القانون نقل طفل أو عاجز عن الحركة إلى مكان بعيد عن العمران فإن القانون لا ينظر في تجريم الفعل إلى عدوان قد تحقق فالطفل قد لا يناله ضرر بنقله إلى المحل البعيد عن العمران فقد ينقذ قبل أن يصاب بأذى ولكن القانون ينظر في تجريمه لهذه الأفعال إلى الاحتمال الغالب وهو أن الطفل يغلب أن يصاب بأذى في حياته أو سلامة بدنه وقد اعتد القانون بالأثر المستقبل للفعل باعتباره غالب الاحتمال.

وتتضح أهمية النتيجة الإجرامية في البنيان التشريعي للجريمة من وجهين من حيث علة تجريم القانون للفعل ذلك أنه يجرم الفعل من أجل ما يحدثه من عدوان على المصلحة التي يحميها سواء أكان هذا العدوان فعلياً أم كان محتم ً لا ذلك أنه إذا كان الفعل لا ينجم عنه عدوان قط فلا مبرر لتجريمه وإلا كان ذلك مجرد تضييق على الناس وحد من حرياتهم ونشاطهم.

– علاقة السببية: هي الصلة التي تربط بين الفعل الذي ارتكبه المكلف وبين النتيجة الإجرامية ويثبت أن ارتكاب هذا الفعل هو الذي أدى إلى حدوث هذه النتيجة.

وأهمية علاقة السببية في غنى عن البيان فهي التي تربط بين عنصري الركن المادي فتقيم بذلك وحدته وتوفر له كيانه وعلاقة السببية تسند النتيجة إلى الفعل فتقرر بذلك توافر شرط مسئولية مرتكب الفعل عن النتيجة وتسهم علاقة السببية في تحديد نطاق المسئولية باستبعادها حيث لا ترتبط النتيجة الإجرامية بفعل المكلف ارتباطاً سببياً.

وأهم ما يثيره البحث في علاقة السببية هو تحديد معيارها إذ من شأن هذا المعيار أن يميز بين الحالات التي تتوافر فيها والحالات التي لا تتوافر فيها.

معيار علاقة السببية في الفقه الإسلامي: لم ترد في الفقه الإسلامي نظرية عامة تحدد معيار علاقة السببية وإنما فضل الفقهاء إيراد قواعد جزئية لحل مشكلات علاقة السببية في الجرائم المتنوعة.

– الركن المادي في القانون العربي الموحد:جرياً على تبويب الفقيه الشهيد عبد القادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي[1] لم يبحث واضع القانون العربي الموحد في الركن المادي للجريمة التامة على اعتبار أن محله هو القسم الخاص من القانون.


[1] ورد في الصفحة 342 ج1 من الكتاب ” فالكلام على الركن المادي يتناول الكلام على الجريمة التامة، والشروع، والاشتراك. ومحل الكلام على الجريمة التامة هو القسم الجنائي الخاص حيث تبحث كل جريمة وتبين أركانها وشرائطها وعقوباتها، وهذا ما يوجبه منطق الفصل بين القسم العام والقسم الخاص”

اترك رد