شرح القانون الجزائي العربي الموحد: الركن المادي للجريمة

الركن المادي للجريمة:

من المبادئ الأساسية المقررة في الفقه الجنائي الإٍسلامي أنه لا قيام للجريمة بغير ماديات تبرز بها إلى العالم الخارجي المحسوس.

وسند المبدأ هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم” وقال صلى الله عليه وسلم كذلك “من هم بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم يكتب له شيء” وقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في ذلك “الأحكام على الظاهر والله ولي الغيب من حكم بالإزكان (أي فهم الشيء بالظن بغير دليل مادي) جعل لنفسه ما حظره الله تعالى عليه ورسوله لأن الله عز وجل إنما يتولى الثواب والعقاب على الغيب لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه وكلف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر ولو كان لأحد أن يأخذ بباطن عليه دلالة كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم” واستدل الإمام الشافعي على ذلك أيضًا بقول الله تعالى – مخاطبًا رسوله الكريم في شأن المنافقين (إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) المنافقون (1-2) وأخذًا بهذه الآية الكريمة فقد عامل الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين على أنهم مسلمون وأجرى عليهم جميع أحكام الإسلام لأنهم من حيث الظاهر يشهدون أن “لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله” ولم يعاملهم على أنهم كفار على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنهم يبطنون الكفر وأنهم كما قال سبحانه “يتخذون أيمانهم جنَّة” أي يتظاهرون بالإسلام كي يتقوا أن يطبق عليهم أحكام الكفر.

وأهم علة لعدم العقاب على النيات أنه بغير ماديات ملموسة لا ينال أمن المجتمع اضطراب ولا يصيب الحقوق والمصالح الجديرة بالحماية عدوان بما مؤداه انتفاء علة التجريم وبالإضافة إلى ذلك فإن إقامة الجريمة على ماديات يتفق مع الحاجة إلى إقامة الدليل قضاءً على ارتكاب الجريمة ومعلوم أن إقامة الدليل على الماديات ميسور ولكن إقامته على محض فكرة حبيسة في النفس أو تصميم كامن في الصدر أمر يكاد يكون مستحيلاً.

اترك رد