شرح القانون الجزائي العربي الموحد: الشروع

يتخذ الركن المادي للجريمة صورة عادية إذا توافرت له جميع عناصره من فعل ونتيجة وعلاقة سببية بينهما وكان توافر هذه العناصر راجعاً إلى سلوك شخص واحد إذ توقع عليه وحده العقوبة التي قررها القانون للجريمة.

ولكن الركن المادي للجريمة قد يتخذ صوراً غير عادية يثور فيها من المشاكل ما يقتضي وضع قواعد خاصة فقد تتحقق بعض عناصر هذا الركن دون بعض كما لو ارتكب الجاني العمل الذي يحظره القانون ولكن لم تتحقق النتيجة الإجرامية التي كان يستهدف تحقيقها وقد يرتكب الجاني الفعل وتتحقق النتيجة المستهدفة به ولكن لا يثبت توافر علاقة السببية بينهما في هذا الوضع يثور التساؤل عما إذا كانت توقع على المكلف عقوبة ويمثل هذا الوضع جريمة ناقصة في أحد عناصرها وإذا قلنا بتوقيع عقوبة فهل تكون العقوبة المقررة للجريمة التامة أم تكون عقوبة أقل من ذلك ؟

ويطلق على هذا الوضع في الفقه الوضعي تعبير الشروع ويراد به محاولة ارتكاب جريمة ثم عدم استطاعة إتمامها وهذا التعبير لم يستعمل في الفقه الإسلامي ولا مانع من استعماله باعتباره يدل على وضع إجرامي خاص يتعين أن يوضع له الحكم الذي يتفق مع طبيعته ويصدر عن مدى تهديده لمصالح يحميها القانون.

فالشروعهو جريمة ناقصة من حيث عدم وقوع النتيجة التي أرادها الجاني من فعله ولذلك فهو خاص بالجرائم العمدية وعندما يتقرر العقاب عليه في جريمة فمعنى ذلك أن ما ارتكبه الجاني كاف ليكون جريمة لأن ما قام به هو من أعمال تنفيذ الجريمة وليس مجرد تحضيرها لذلك يعاقب عليه برغم عدم نجاحه في تحقيق غرضه من ارتكاب الفعل.

لما كانت عقوبة الحد أو القصاص لا توقع إلا إذا كانت الجريمة تامة أي استوفى ركنها المادي جميع عناصره أما إذا نقص أحد عناصره فلم نعد بصدد جريمة حد أو قصاص وصار توقيع عقوبة الحد أو القصاص على هذا الوضع غير جائز فإذا كان هذا الوضع لا يوقع فيه حد أو قصاص فإن العقوبة التي توقع على الفاعل هي التعزير فقد رأى الفقهاء ألا حاجة لوضع نظرية عامة للشروع في الجرائم تحكمها إذ لولي الأمر أو القاضي تحديد أركان وعقوبة هذه الجريمة التعزيرية.

ولا يتعارض مع مبادئ الفقه الإسلامي وضع نظرية عامة للشروع في الجريمة باعتبار ذلك تأصيلاً لحلول جزئية قال بها الفقهاء بالإضافة إلى ذلك فإن المفترض في قانون العقوبات الإسلامي الحديث أن يتضمن تقنيناً للجرائم التعزيرية التي يقدر القانون الإسلامي في مجتمع معين وجوب النص عليها على سبيل الحصر ومن الملائم أن يتضمن هذا القانون نصوصاً خاصة بالشروع في هذه الجرائم باعتبار ذلك النتيجة الضرورية للنص على هذه الجرائم من حيث نطاق العقاب عليه ومقداره.

– مراحل الجريمة: تمر الجريمة بمراحل معينة قبل أن يرتكبها المجرم فهو أولاً يفكر فيها ثم يعقد العزم على ارتكابها ثم يحضر بعد ذلك المعدات ويهيئ الوسائل اللازمة لتنفيذها كشراء سلاح يقتل به أو إعداد مفتاح مصطنع ليفتح به باب محل الجريمة. فإذا أعد المجرم معدات الجريمة انتقل إلى مرحلة ثالثة هي مرحلة التنفيذ فيبدأ في تنفيذ جريمته على الوجه الذي فكر فيه وأعد له الوسائل.

هذه هي المراحل الثلاث التي يمر بها المجرم حتى يرتكب جريمته فأي هذه المراحل يعتبر جريمة وبالتالي جريمة تستحق العقاب؟

أولاً – مرحلة التفكير والتصميم: لا يعتبر التفكير في الجريمة والتصميم على ارتكابها جريمة تستحق العقوبة لأن القاعدة في الشريعة الإسلامية أن الإنسان لا يؤاخذ على ما توسوس له نفسه أو تحدثه به من قول أو عمل ولا على ما ينتوي أن يقوله أو يعمله لقوله عليه الصلاة والسلام: “إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم” وإنما يؤاخذ الإنسان على ما يقوله من قول وما يفعله من فعل.

ثانياً- مرحلة التحضير: لا تعتبر مرحلة التحضير أيضاً معصية ولا تعاقب الشريعة على إعداد الوسائل لارتكاب جريمة إلا إذا كانت حيازة الوسيلة أو إعدادها مما يعتبر جريمة في حد ذاته كحيازة سلاح غير مرخص لتسهيل ارتكاب جريمة السرقة بواسطته.

ثالثاً- مرحلة التنفيذ: هذه هي المرحلة الوحيدة التي تعتبر فيها أفعال الجاني جريمة وليس من الضروري أن يكون الفعل بدءاً في تنفيذ ركن الجريمة المادي بل يكفي أن يكون مقدمة له وأن يكون مقصوداً به تنفيذ الركن المادي ولو كان لا يزال بين الفعل وبين الركن المادي أكثر من خطوة كتسلق الجدار أو كسر الباب أو فتحه بمفتاح مصطنع كل ذلك يعتبر شروعاً في سرقة ولو أن بين كل منها وبين الفعل المادي المكون لجريمة السرقة خطوات هي دخول محل السرقة والاستيلاء على المسروقات وإخراجها من الحرز كذلك يعزر الجاني باعتباره شارعاً في سرقة إذا حاول فتح الباب أو التسلق ولو لم يتم ما حاول فعله.

ويرى أبو عبد الله الزبيري تعزير الجاني باعتباره شارعاً في السرقة إذا وجد بجوار المنزل المراد سرقته ومعه مِبْرَد ليستعمله في فتح الباب أو مِنْقب لينقب به الحائط ولو أنه لم يبدأ في فتح الباب أو نقب الحائط إذا ثبت أنه جاء بقصد السرقة ويرى تعزير الجاني كذلك إذا وجد مترصداً بجوار محل السرقة يترصد غفوة الحارس ليسرق المتاع الذي يحرسه.

ومقياس الفعل المعاقب عليه في الشروع هو أن يكون ما أتاه المتهم مكونا لمعصية (أي اعتداء على حق للجماعة أو حق للفرد)  ويستعان على معرفة ما إذا كان الفعل معصية أو غير معصية بنية الجاني وقصده من الفعل لأن ثبوت هذه النية يزيل كل شك ويساعد على تحديد نوع المعصية.

وقد جعل أبو عبد الله الزبيري في الأمثلة التي ذكرناها سابقاً شأناً كبيراً لنية الجاني فالترصد بجوار محل السرقة قد يكون للسرقة أو لعمل آخر مباح ولكن نية الجاني وحدها هي التي أزالت الشك عن الفعل وعينت المعصية ووجود الجاني بجوار محل السرقة ومعه مبرد أو منقب يحتمل أن يكون الجاني قاصداً سرقة هذا المحل أو غيره ويحتمل أن يكون أراد السرقة أو أراد عملاً آخر غير محرم ولكن نية الجاني هي التي أخرجت الفعل من حيز الاحتمال إلى حيز اليقين وعينت المعصية.

– العقاب على الشروع: قاعدة الشريعة الإسلامية في جرائم الحدود والقصاص أن لا يتساوى عقاب الجريمة التامة بالجريمة التي لم تتم وأصل هذه القاعدة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين”.

وهذه القاعدة لا يمكن الخروج عليها في جرائم الحدود وجرائم القصاص فلا يمكن العقاب على الشروع في الزنا التام بالجلد أو الرجم ولا يمكن العقاب على الشروع في السرقة بعقوبة القطع لأن القطع جعل جزاء الجريمة التامة.

إلا أنه إذا نتج عن الشروع جريمة عقوبتها مقدرة كمن أطلق النار يريد أن يقتل شخصاً فلم يمت ولكن الرصاصة قطعت أذناً أو فقأت عيناً فإنه في هذه الحال تكون ثمة عقوبتان إحداهما مقدرة وفيها القصاص الثابت بقوله تعالى “العين بالعين” والأخرى تعزيرية غير مقدرة.

ولا شك أن البون شاسع بين الشروع والفعل التام فيجب أن يؤخذ المتهم بقدر ما فعل ويجزي بقدر ما اكتسب فضلاً عن أن التسوية في العقاب بين الشروع والجريمة التامة تحمل مَن شرع في جريمة على إتمامها لأنه يرى نفسه قد استحق عقوبة الجريمة التامة بالبدء في تنفيذ الجريمة فليس ثمة ما يغريه بالعدول عنها.

– أثر عدول الجاني عن الفعل: إذا شرع الجاني في ارتكاب الجريمة فإما أن يتمها وإما أن لا يتمها فإذا أتمها فقد استحق عقوبتها وإذا لم يتمها فإما أن يكون أُكره على عدم إتمامها كمن يضبط وهو يجمع المسروقات من محل السرقة وإما أن يكون هو الذي عدل مختاراً عن إتمامها وفي حالة العدول إما أن يكون لسبب ما غير التوبة كأن يكتفي الجاني بما فعل أو يرى أنه ينقصه بعض الأدوات أو يرى أن يعاود الكرَّة في وقت آخر مناسب أو يخشى أن يراه أحد وإما أن يكون سبب العدول هو توبة الجاني وشعوره بالندم ورجوعه إلى الله.

فإذا كان سبب عدم إتمام الجريمة هو إكراه الجاني على ذلك كأن يضبطه المجني عليه أو يصاب بحادث يمنعه من إتمام الجريمة فإن ذلك لا يؤثر على مسئولية الجاني في شيء ما دام أن الفعل الذي أتاه يعتبر معصية.

وإذا عدل الجاني عن إتمام الجريمة لأي سبب غير التوبة فهو مسئول عن الفعل كلما اعتبر الفعل معصية أي اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد فمثلاً إذا قصد سرقة منزل فكسر بابه ثم عدل عن دخوله لأنه رأى الحارس يمر في هذه المنطقة فخشي أن يكتشف الحادث أو دخل المنزل ثم خرج دون أن يسرق شيئاً لأنه عجز عن فتح خزانة النقود أو ليأتي بزميل له يعاونه في فتح الخزانة أو يعاونه في حمل المسروقات فهو في كل هذه الحالات يعاقب بالرغم من عدوله لأنه عدل لسبب غير التوبة ولأن ما وقع منه فعلاً يعتبر معصية فدخول منزل الغير دون إذنه معصية وكسر باب منزل الغير معصية. أما إذا وصل إلى باب المنزل بقصد السرقة ثم عدل لأي سبب وعاد فإنه لا يعاقب لأن ما فعله لا يعتبر اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد ومن ثَمَّ لا يعتبر معصية وإذا لم يعتبر الفعل معصية فلا عقاب.

العدول للتوبة: أما إذا كان سبب عدول الجاني عن الفعل هو توبته ورجوعه إلى الله فإن الجاني لا يعاقب على ما فعل إذا كانت الجريمة هي جريمة الحرابة وذلك لقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 34]  فالمحارب إذا تاب قبل القدرة عليه سقطت عقوبته بالرغم من أنه أتى الجريمة التامة وإذا كان هذا هو حكم من أتم الجريمة فأولى به أن يكون حكم من لم يتمها.

وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على أن التوبة تسقط العقوبة المقررة لجريمة الحرابة[1] إذا حدثت التوبة قبل القدرة على المحارب فإنهم اختلفوا في أثر التوبة على ما عدا هذه الجريمة ولهم في ذلك ثلاث نظريات:

النظرية الأولى: ويقول بها بعض الفقهاء في مذهب الشافعي ومذهب أحمد ومجمل رأيهم أن التوبة تسقط العقوبة وحجتهم في ذلك أن القرآن نص على سقوط عقوبة المحارب بالتوبة وجريمة الحرابة هي أشد الجرائم فإذا دفعت التوبة عن المحارب عقوبته كان من الأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم وأن القرآن لما جاء بعقوبة الزنا الأولى رتب على التوبة منع العقوبة وذلك قوله تعالى: {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} [النساء: 16]  وذكر القرآن حد السارق وأتبعه بذكر التوبة في قوله تعالى: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} [المائدة: 39]  وأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له” ومن لا ذنب له لا حد عليه وقال الرسول في ماعز لما أُخبر بهربه: “هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه”.

ويشترط هؤلاء الفقهاء لتُسقط العقوبة أن تكون الجريمة مما يتعلق بحق الله أي أن تكون من الجرائم الماسة بحقوق الجماعة كالزنا والشرب وأن لا تكون مما يمس حق الأفراد كالقتل أو الضرب ويشترط بعض هؤلاء الفقهاء شرطاً آخر وهو أن تكون التوبة مصحوبة بإصلاح العمل وهذا الشرط يقتضي مضي مدة يعلم بها صدق التوبة ولكن البعض الآخر يكتفي بالتوبة ولا يشترط إصلاح العمل.

ويترتب على الأخذ بهذه النظرية أن تسقط العقوبة عمن يعدل عن إتمام جريمته تائباً كلما كانت الجريمة مما يمس حقوق الجماعة أما الجرائم التي تمس حقوق الأفراد فلا يؤدي العدول عن ارتكابها لسقوط العقوبة بحال ولو كان سبب العدول هو التوبة.

النظرية الثانية: وهي نظرية مالك وأبي حنيفة وبعض الفقهاء في مذهبي الشافعي وأحمد ومجمل رأيهم أن التوبة لا تسقط العقوبة إلا في جريمة الحرابة للنص الصريح الذي ورد فيها لأن الأصل أن التوبة لا تسقط العقوبة فالله أمر بجلد الزاني والزانية فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]  فجعل الجلد عاماً للتائبين وغير التائبين وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]  فجعل القطع للتائب وغير التائب.

وقد أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – برجم ماعز والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وكلهم جاءوا تائبين معترفين على أنفسهم يطلبون أن يتطهروا من ذنوبهم بإقامة الحد عليهم وقد سمى الرسول فعلهم توبة فقال في حق المرأة: “لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم”.

ويرى هؤلاء الفقهاء أن العقوبة لا تسقط بالتوبة لأنها كفارة عن المعصية ولا يرون شبهاً بين المحارب وبين غيره من المجرمين حتى يقاس أحدهما على الآخر فالمحارب شخص لا يقدر عليه فجعلت التوبة مسقطة لعقوبته إذا تاب قبل القدرة عليه بتشجيعه على التوبة والامتناع عن الفساد في الأرض أما المجرم العادي فهو شخص مقدور عليه دائماً فليس ثمة ما يدعو لإسقاط العقوبة عنه بالتوبة بل إن العقوبة هي التي تزجره عن الجريمة وفضلاً عن ذلك فإن القول بأن التوبة تسقط العقوبة يؤدي إلى تعطيل العقوبات لأن كل مجرم لا يعجز عن ادعاء التوبة.

ويترتب على هذه النظرية أن عدول الجاني عن إتمام جريمته تائباً راجعاً إلى الله لا يمنع عنه العقوبة كلما اعتبر فعله معصية.

النظرية الثالثة: وهي نظرية ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهما من الحنابلة. وعندهما أن العقوبة تطهر من المعصية وأن التوبة تطهر من المعصية وتسقط العقوبة في الجرائم التي تمس حقاً لله فمن تاب من جريمة من هذه الجرائم سقطت عقوبته إلا إذا رأى الجاني نفسه أن يتطهر بالعقوبة فإنه إذا اختار أن يعاقب عوقب بالرغم من توبته.

ويترتب على هذه النظرية أن من عدل عن إتمام جريمته تائباً تسقط عنه العقوبة إذا كانت الجريمة مما يمس حقاً لله أي حقاً من حقوق الجماعة ما لم يطلب الجاني نفسه أن يعاقب أما إذا كانت الجريمة تمس حقاً للأفراد فلا تسقط العقوبة.

إن موضوع التوبة له أهمية خاصة في شريعتنا لأن العقوبات تقرر بقصد إصلاح الجناة والتوبة دليل على استجابتهم للاستقامة وعدولهم عن سلوك طريق الجريمة.

– الشروع في الجريمة المستحيلة: الجريمة المستحيلة هي التي يستحيل وقوعها إما لعدم صلاحية وسائلها كمن يطلق على آخر بقصد قتله بندقية لا يعلم أنها غير معمرة أو أن إبرتها مكسورة وإما لانعدام موضوعها كمن يطلق عياراً على ميت بقصد قتله وهو غير عالم بموته أو كمن يذهب ليسرق مالاً فيتبين أن المال الذي سرقه له أو من يدخل على امرأة يريد أن يزني بها فيتبين أنها زوجته.

وقد كانت الجريمة المستحيلة محل نظر فقهاء القانون الوضعي ومناقشاتهم في القرن الماضي وكان بعضهم يرى العقاب على الشروع فيها وبعضهم لا يرى ذلك أما اليوم فقد اتجه الرأي إلى إهمال نظرية الاستحالة والأخذ بالمذهب المضاد وهو المذهب الشخصي ويقوم على النظر إلى غرض الفاعل وخطورته فمتى كانت الأفعال التي أتاها تدل صراحة على قصد الفاعل فهو شارع في الجريمة وتجب عليه عقوبة الشروع.

ورأي أصحاب المذهب الشخصي في الجريمة المستحيلة يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية إذ يستوي في الشريعة الإسلامية أن تستحيل الجريمة بالنسبة لوسائلها أو موضوعها والغاية منها فإن ذلك كله لا ينفي مسئولية الجاني إن كان ما فعله معصية ولا شك أن محاولة الجاني الاعتداء على المجني عليه هي في ذاتها معصية بغض النظر عما إذا كانت المحاولة قد أدت لنتيجتها أم لم تؤد لذلك وسواء كانت نتيجة المحاولة ممكنة الحصول أو مستحيلة الوقوع لأن المحاولة في كل الأحوال اعتداء على الفرد وعلى أمن الجماعة وما دامت النية الجنائية قد ظهرت وتجسمت في أفعال خارجية أتى بها الجاني بقصد تنفيذ جريمته فهو جان يستحق العقاب كلما تكوَّن من أفعاله معصية وإذا كان الفعل لم يلحق أذى فعلاً بالمجني عليه أو كانت الجريمة قد استحال تنفيذها فإن ذلك أمر يترك تقديره للقاضي فيعاقب الجاني بالعقوبة التي تتلاءم مع قصده وخطورته والظروف التي أحاطت بتنفيذ جريمته.

– الشروع في القانون الجزائي العربي الموحد: لم يخرج واضع القانون عن النظريات التي وضعها فقهاء الشريعة الإسلامية لقواعد الشروع فنص في القانون الجزائي العربي الموحد المادة 99 منه على عدم جواز العقاب على النيات وعدم جواز العقوبة على الفعل التحضيري إلا إذا كان يشكل بحد ذاته جريمة[2].

كما أخرجت المادة 91 من القانون[3] جرائم الحدود أو القصاص من قواعد الشروع حين استبعدت الجريمة الناقصة من نطاقهم واعتبر أن جرائم الحدود والقصاص إن لم ترتكب تامة تعتبر جريمة تعزيرية ومن ثم حصرت المادة 97 نطاق تطبيق هذه القواعد في الجرائم التعزيرية التي تصنف على أنها جنايات ونص على عدم جواز تطبيق هذه القواعد في الجنح إلا بنص خاص[4] وعلل ذلك في المذكرة الإيضاحية بانعدام خطورة الجنح كقاعدة عامة ما لم يرى واضع القانون خلاف ذلك.

نص القانون الجزائي العربي الموحد على أنه تعتبر محاولة[5] لارتكاب جناية ارتكاب فعل يعتبر بدءاً بتنفيذ الجريمة أو ارتكاب فعل يهدف مباشرة إلى ارتكاب الجريمة حتى ولو لم يكن داخلاً في الركن المادي للجريمة ويعتبر الشروع قائماً سواء أكان قد تم إيقاف تنفيذ الجريمة بسبب خارج عن إرادة الفاعل وهو ما يسمى الشروع الناقص أو أن الجاني يتم فيها نشاطه التنفيذي ومع ذلك لا تحصل النتيجة الإجرامية المتوخاة لظروف خارجة عن إرادته أيضاً كأن يطلق النار علي الضحية فيخطئها وهذا ما يسمى بالشروع التام أو الجريمة الخائبة وتنص المادة 96[6] على المعاقبة على محاولة الجنايات دائماً وفي جميع صورها بمقدار نصف عقوبة الجريمة التامة وإذا كانت العقوبة هي السجن المؤبد تخفض إلى السجن مدة لا تتجاوز العشر سنوات وإذا كانت العقوبة الإعدام خفضت للسجن المؤبد.

وفي ختام بحث الشروع فقد أحسن واضع القانون بعدم الأخذ بنظرية الجريمة المستحيلة وعقاب الفاعل حتى لو لم يكن بالإمكان بلوغ النتيجة بسبب ظرف يجهله (المادة 98)[7] ولم يفرق بين الاستحالة بسبب ظرف واقعي يجهله الفاعل سواء أكان محل الجريمة مستحيلاً كأن تكون المرأة المراد إجهاضها غير حامل مثلاً أو كانت الوسيلة غير صالحة لتحقيق النتيجة كأن يكون السلاح غير صالح للاستخدام وفي جميع الأحوال يجب أن يكون الفاعل جاهلا باستحالة بلوغه الهدف.


[1] من المتفق عليه أن التوبة تسقط ما يمس حقوق الجماعة أما ما يمس حقوق الأفراد فلا يسقط بالتوبة. فالمحارب إذا أخذ المال فقط ثم تاب سقطت عنه عقوبة القطع بالتوبة ولكنه يلزم برد المال، وإذا أخذ المال وقتل ثم تاب سقطت عنه عقوبة القتل حداً ولكنه يلزم برد المال ولا تسقط عنه عقوبة القصاص إلا بعفو أولياء القتيل

[2] العزم أو التصميم وكذلك الأعمال التحضيرية لا تعتبر محاولة و لا يعاقب عليها إلا بنص خاص في القانون .

[3] كلما تخلف شرط أو اختل حكم أو تولدت شبهة أو فات محل في جرائم الحدود والقصاص أو وقع عفو من جهة الادعاء الشخصي. ” أولياء الدم” في جرائم القصاص ، يعاقب مرتكبها بالعقوبة البديلة المقررة لها شرعا ، فإن لم يكن لها بديل شرعي ، انقلب وضعها إلى جريمة تعزيرية .

[4] لا يعاقب على المحاولة في الجنح إلا بمقتضى نص خاص في القانون.

[5] يستعمل واضع القانون كلمة (محاولة) ثم (الشروع) وذلك لأنها اعم واشمل ولان الشروع يشكل جزءا من المحاولة.

[6] كل محاولة ارتكاب جناية ظهرت بالبدء في تنفيذها أو بأعمال لا لبس فيها تهدف مباشرة إلى ارتكابها ، ولم يوقف تنفيذها أو لم يحصل الأثر المتوخى منها إلا لظروف خارجة عن إرادة مرتكبها تعاقب بعقوبة تتراوح ، بين نصف الحدين الأدنى و الأعلى للعقوبة المقررة قانوناً للجريمة نفسها .

فإذا كانت العقوبة السجن المؤبد حكم بالسجن المؤقت لمدة لا تتجاوز عشر سنوات.

وإذا كانت العقوبة الإعدام حكم بالسجن المؤبد .

[7] المادة ( 98 ) يعاقب على  المحاولة و لو لم يكن في الإمكان بلوغ الهدف بسبب ظرف واقعي يجهله الفاعل .

اترك رد