شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم بحسب طبيعتها الخاصة

تصنف الجرائم بحسب طبيعتها إلى جرائم عادية وجرائم سياسية

الجريمة السياسية في الفقه الإسلامي هي أعمال العنف التي يرتكبها الخارجون على السلطة القائمة بناء على إدعاء بأنها سلطة غير شرعية وهو ما يعبر عنه بأنهم متأولون ونظراً لأن العنف الذي يرتكبونه يضار به أفراد الناس العاديون الذين لا دخل لهم في هذا الخلاف فإن فقهنا الإسلامي يسميهم بغاة ويقرر لهم معاملة خاصة يقصد بها إعادة الأمن لجمهور الناس ولو اقتضى ذلك تقريراً لبعض الحقوق لهم مقابل تراجعهم عن هذا العنف.

وما قاله فقهاؤنا عن “حقوق هذا النوع من الثوار” ومسؤوليتهم قبل الثورة وفي أثنائها وبعدها هي حقوق يراعى فيها أن جريمتهم سياسية لأنهم يعتقدون أنهم يدافعون عن حكم شرعي وهذا هو ما يسمى بالتأول ولهذا السبب فإنهم يجب ألا يعاملوا كمجرمين عاديين ولا يعاقبوا بالعقوبات العادية عن الأعمال التي يرتكبونها في مقاومتهم أو ثورتهم ما دامت قد وقعت في حالة ثورة أو حرب أهلية ضد سلطان يحسبونه غير شرعي إذا كان هذا الحسبان خاطئاً أما إذا كان هذا الحسبان صحيحاً وكانت السلطة ظالمة أو فاسقة أو كافرة أو مغتصبة للحكم فإن فعلهم يعتبر فعلاً شرعياً صحيحاً يقومون به لرفع الظلم عن الأمة[1].

إذن العبرة في وصف الجريمة أنها سياسية هو التأول أي ادعاء وجود مبرر شرعي للخروج والثورة على السلطة القائمة الذي يصل إلى حد يمكن وصفه بالثورة أو الحرب الأهلية أما الجرائم العادية مثل القتل أو إلقاء القنابل أو غير ذلك من أعمال العنف التي ترتكب لغرض سياسي دون وجود حالة عامة يمكن وصفها بأنها انتفاضة أو ثورة أو حرب أهلية فهي جرائم عادية ويجب التفرقة بينها وبين الجريمة السياسية الشرعية البحتة فتطبق على الجرائم العادية القواعد العامة حتى ولو كانت قد ارتكبت لغرض سياسي طالما أنه لم يكن هناك خروج أو حرب أهلية أو ثورة مثال ذلك ما حدث لقاتل سيدنا علي بن أبي طالب إذ طبقت عليه القواعد العامة وحكم عليه بالقصاص.

إذن الجريمة السياسية البحتة هي الخروج أو الثورة على حكم يعده الثائرون ظالماً أو باغياً أو فاقداً للمشروعية إذا كانوا مخطئين وكان الإمام الذي خرجوا عليه شرعياً مثل سيدنا علي وهذه الأحكام التي تقرر ضمانات أو امتيازات لهؤلاء البغاة تطبق من باب أولى على من يخرجون على وضع غير شرعي وتوصف السلطة التي يخرجون عليها بأنها باغية.

وإذا كان الفقهاء قد اصطلحوا على تسمية فريق الخارجين بالبغاة فإنهم يسمون الفريق الآخر الذي لم يخرج عليه بأهل العدل.

الشروط التي يجب توافرها في المجرمين والسياسيين أو البغاة: نستطيع أن نستخلص من تعريف البغاة ومما سبق الشروط التي يجب توافرها في المجرم وعمله ليعتبر مجرماً سياسياً أو باغياً:

أولاً- الغرض من الجريمة: يشترط أن يكون الغرض من الجريمة إما عزل رئيس الدولة أو الهيئة التنفيذية وإما الامتناع عن الطاعة فإذا توفر الغرض على هذا الوجه مع توفر الشروط الأخرى كانت الجريمة سياسية والمجرم سياسياً أما إذا كان الغرض من الجريمة إحداث أي تغيير يتنافى مع نصوص الشريعة كإدخال نظام غير إسلامي أو تمكين دولة أجنبية من التسلط على البلاد أو إضعاف قوة الدولة أمام غيرها من الدول إذا كان الغرض من الجريمة شيئاً من هذا أو مثله فإن الجريمة لا تكون بغياً – أي سياسية – وإنما هي إفساد في الأرض ومحاربة لله ورسوله وهي جريمة عادية قررت لها الشريعة عقوبة قاسية.

ثانياً- التأول: يشترط في البغاة – أي المجرمين – أن يكونوا متأولين أي أن يدعوا سبباً لخروجهم ويدللوا على صحة ادعائهم ولو كان الدليل في ذاته ضعيفاً كادعاء الخارجين على الإمام عليّ بأنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم وكتأول بعض مانعي الزكاة في عهد أبي بكر بأنهم لا يدفعون الزكاة إلا لمن كانت صلاته سكناً لهم طبقاً لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} إلى قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} [التوبة: 103]  فإذا لم يدعوا سبباً للخروج أو ادعوا سبباً لا تقره الشريعة إطلاقاً كأن طلبوا عزل رئيس الدولة دون أن ينسبوا إليه شيئاً أو طلبوا عزله لأنه ليس من بلدهم فهم قطاع طريق يسعون في الأرض بالفساد ولهم عقوبتهم الخاصة وليسوا بأي حال بغاة أو مجرمين سياسيين.

ثالثاً- الشوكة: يشترط في الباغي – أي المجرم السياسي – أن يكون ذا شوكة وقوة لا بنفسه بل بغيره ممن هم على رأيه فإن لم يكن من أهل الشوكة على هذا الوصف فلا يعتبر مجرماً سياسياً ولو كان متأولاً.

رابعاً- الثورة أو الحرب: ويشترط بعد ذلك كله أن تقع الجريمة في ثورة أو حرب أهلية اشتعلت لتنفيذ الغرض من الجريمة فإن وقعت الجريمة في غير حالة الثورة أو الحرب الأهلية فهي ليست بغياً أي جريمة سياسية وإنما هي جريمة عادية يعاقب فاعلها بالعقوبة العادية المقررة لها. وتلك هي سنة عليّ بن أبي طالب في الخوارج فلقد عرض قوم من الخوارج به فنادوا وهو يخطب على منبره: لا حكم إلا الله يعرضون به لأنه قبل التحكيم فرد عليّ من على منبره قائلاً: كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله لا نبدؤكم بقتال ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا أي ما دمتم لم تثوروا علينا.

حقوق البغاة ومسئوليتهم قبل الثورة: للبغاة أن يدعوا إلى ما يعتقدون بالطريق السلمي المشروع ولهم الحرية في أن يقولوا ما يشاءون في حدود نصوص الشريعة وللعادلين أن يردوا عليهم ويبينوا لهم فساد آرائهم فإذا خرج أحد من الفريقين في قوله أو دعوته على النصوص الشرعية عوقب على جريمته باعتبارها جريمة عادية فإن كان قاذفاً حد وإن كان ساباً عزر وإن أرتكب احد البغاة أية جريمة عوقب عليها باعتبارها جريمة عادية.

وللبغاة حق الاجتماع فإذا تحيزوا أو اجتمعوا في مكان معين فلا سلطان لأحد عليهم ما داموا لم يمتنعوا عن حق أو يخرجوا عن طاعة وهذه أيضاً سنة علي بن أبي طالب في الخوارج فقد اعتزلت طائفة من الخوارج علياً عليه السلام بالنهروان فولى عليهم عاملاً أقاموا على طاعته زمناً وهو لهم موادع إلى أن قتلوه فأنفذ إليهم علي: أن سلموا القتلة فأبوا فقالوا: كلنا قتلة فلما خرجوا عن الطاعة وجاهروا بالعصيان قاتلهم عليّ.

ويشترط مالك والشافعي وأحمد أن يبدأ أهل البغي بالقتال حتى يقاتلوا أهل العدل وفي هذه الحال تستحل دماؤهم أما أبو حنيفة فيكتفي بتجمعهم وامتناعهم ويرى في ذلك ما يكفي لقتالهم.

حقوق البغاة ومسئوليتهم أثناء الثورة وما بعدها:

أول المبادئ المقررة في الجرائم السياسية هو أن من يدعون أنهم أهل العدل لا يجوز أن يجعلوا ذلك مبرراً لاستئصال من يقاومونهم حتى لو كانوا عادلين فعلاً فإذا اشتعلت الثورة أو قامت الحرب الأهلية كان على ولي الأمر أن يقصد من القتال ردع البغاة لا قتلهم وإفنائهم وأن يقاتل من أقبل منهم ويكف عمن أدبر وهرب وأن لا يجهز عن جريحهم وأن لا يقتل أسيرهم أو من ألقوا سلاحهم منهم وأن لا يصادر أموالهم وأن لا يستولي على نساؤهم وأولادهم لأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “منعت دار الإسلام ما فيه”.

فإذا انتهت حالة الحرب وانطفأت الثورة وجب على ولي الأمر أن يرد على البغاة أموالهم التي في يد أهل العدل وما تلف منها في غير قتال فهو مضمون على متلفه وأما ما أتلفه أهل البغي في ثائرة الحرب من نفس ومال فهو هدر وما أتلفوه على أهل العدل في غير ثائرة الحرب من نفس ومال فهو مضمون عليهم وهم مسئولون عنه وهذا هو الرأي الراجح أما الرأي الأخر فيرى أصحابه تضمين البغاة ما أتلفوه في الحرب وحجتهم أن المعصية لا تبطل حقاً ولا تسقط غرماً.

أما حجة أصحاب الرأي الأول فهي أن الفتنة العظمى وقعت أيام علي ومعاوية فأجمع الصحابة على أن لا يقام حد على رجل ارتكب محرماً بتأويل القرآن ولا يغرم مالاً أتلفه بتأويل القرآن ويحتجون كذلك بأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ فلا تضمن ما أتلفته على أهل العدل كما لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه ولأن تضمن أهل البغي يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة.

وإذا كان البغاة لا يسألون عن الجرائم التي ارتكبوها أثناء الثورة من إهلاك للأنفس والأموال فإن لولي الأمر – إن لم يعف عن جرائمهم – أن يعاقبهم على خروجهم عن الطاعة بعقوبة تعزيرية إن رأى في ذلك مصلحة ولكن يشترط أن لا تكون هذه العقوبة القتل عند مالك والشافعي وأحمد لأنهم لا يبيحون قتل الجريح ولا الأسير فأولى أن لا يباح قتل المسلم أما أبو حنيفة فيبيح قتل الأسير للمصلحة العامة ويبيح قتل البغاة على أثر الظهور عليهم فالقياس عنده أن يقتل الباغي تعزيزاً.

عقوبة البغاة أو المجرمين السياسيين في الشريعة الإسلامية: ظاهر مما تقدم أن عقوبة البغاة تختلف باختلاف الأحوال فالجرائم التي يرتكبونها قبل الثورة والحرب أو بعدها يعاقبون عليها بعقوباتها العادية لأنها جرائم عادية لم تقع في حالة ثورة أو حرب أما الجرائم التي ترتكب أثناء الثورة أو الحرب الأهلية فما اقتضته منها حالة الثورة أو الحرب كمقاومة رجال الدولة وقتلهم والاستيلاء على البلاد وحكمها والاستيلاء على الأموال العامة وجبايتها وإتلاف السكك والجسور وإشعال النار في الحصون ونسف الأسوار والمستودعات وغير ذلك مما تقتضيه طبيعة الحرب فهذه الجرائم السياسية وتكتفي الشريعة فيها بإباحة دماء البغاة وإباحة أموالهم بالقدر الذي يقتضيه ردعهم والتغلب عليهم فإذا ظهرت الدولة عليهم وألقوا سلاحهم عصمت دماؤهم وأموالهم وكان لولي الأمر أن يعفو عنهم أو أن يعزَّرهم على خروجهم لا على الجرائم التي ارتكبوها أثناء خروجهم فعقوبة الخروج إذن هي التعزير وهو جريمة سياسية أما عقوبة الجرائم التي تقتضيها حالة الحرب أو الثورة فهي القتل بالشروط التي ذكرناها سابقاً.

هذا هو حكم الجرائم التي تقع أثناء الثورة أو الحرب وتقتضيها طبيعة الحرب والثورة أما الجرائم التي تقع من البغاة ولا تستلزمها طبيعة الثورة أو الحرب فهذه تعتبر جرائم عادية يعاقبون عليها بالعقوبات العادية ولو أنها وقعت أثناء الثورة أو الحرب كشرب الخمر والزنا وقتل أحد البغاة زميلاً له أو سرقة ماله.

تعتبر جرائم السلطة المستبدة جرائم عادية لا تشملها الضمانات المقررة للجرائم السياسية: إذا كان الحاكم الذي ثار عليه الثوار غير شرعي فلا تعتبر الجرائم التي يرتكبها لقمع هؤلاء الثوار جرائم سياسية وبالتالي لا تشملها الضمانات السابقة فلا يجوز اعتبار مجرد الرغبة في البقاء في السلطة المغتصبة بالقوة هدفاً سياسياً بل هو غاية شخصية أنانية تستدعي التشديد لا التخفيف وأصحاب هذا الصنف من السلاطين الظلمة أو البغاة من أصحاب السلطة الواقعية المفروضة لا يقصدون التضحية بأنفسهم من أجل هدف عام للشعوب مثل المتأولين الذين يثورون على الحكام الذين يعتقدونهم ظلمة بل إنهم يستخدمون سلطات الدولة وقوتها لأهداف أنانية هي البقاء في السلطة وإذا كانت القوانين الوضعية تقصر صفة البغاة على من تكون أفعالهم ضد الحكام أو نظام الحكم القائم وكان شراحها يقرون ذلك فإن هذا يرجع إلى أن تلك القوانين تضعها الدولة وحكامها لحماية نظام الحكم بغض النظر عن شرعية وجوده أما الشريعة الإسلامية فهي تعاقب على بغي أصحاب السلطة وتعده جريمة عادية ولا تعطي للحكام ميزة حسبان جريمتهم سياسية بل يعاقبون على جريمة عادية لأن معيار الشرعية في الشريعة واضح وهو وصول الحاكم إلى السلطة بمقتضى اختيار حر من الأمة واستمراره بعد ذلك بالحكم بالعدل.


[1] إن الخروج على الحاكم أمر جد خطير لذلك لا ينبغي أن يترك بين أيدي العامة بل يتولى البت فيه أشخاص لهم دراية ومعرفة بأحوال المسلمين وحال الدولة الإسلامية وهم الذين يقررون عدم شرعية الحاكم وقد يقررون السكوت عن تجاوزاته وإبقاءه في منصبه حسب حال المسلمين حينها فإن قرروا عدم شرعيته ووجوب تنحيه عن الحكم فرفض التنحي وتمسك بالسلطة بالقوة والغصب فلا يجوز لآحاد الرعية الثورة عليه لما ينتج عن ذلك من إثارة فتن وزيادة محن ولكن تجوز الثورة خلف رجل له أتباع يقوم محتسباً لله مع مراعاة المصالح والنظر في مآلات الأمور والموازنة ما بين المصالح والمفاسد.

اترك رد