شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم حسب الحق المعتدى عليه

يرى الإمام محمود شلتوت[1] أن الشريعة سلكت في تقرير العقوبات الدنيوية مسلكين بارزين الأول عقوبات نصية والثاني عقوبات تفويضية.

أما العقوبات النصية فهي الواردة في القرآن والسنة على عقوبات لجرائم معينة هي من عموم الجرائم بمنزلة الأمهات نظراً إلى دلالتها على تأصيل الشر في نفس الجاني وإلى شدة ضررها في المجتمع وإلى حرمة ما وقعت عليه في الفطرة البشرية وهي الجرائم الآتية:

الاعتداء على الدين بالردة[2] الاعتداء على الأعراض بالزنا أو بالقذف عقوبة الاعتداء على الأموال بالسرقة أو على الأمن العام بالمحاربة والإفساد في الأرض عقوبة الاعتداء على العقل بشرب المسكر[3] عقوبة الاعتداء على النفس بالقتل أو بما دونه من القطع أو الجرح.

وينبغي أن يلاحظ هنا أن هذه الجرائم التي نصت عليها الشريعة وعلى عقوباتها منها ما يراه العلماء اعتداء على حق لله خالص وذلك بحرمة الدين والنسب والأمن العام ومنها ما يعتبرونه جامع بين حق الله وحق العبد وحق العبد فيه كحرمة نفس الآدمي وأعضائه ومنها ما يعتبرونه جامعاً بين الحقين وحق الله فيه غالب فيما يتعلق بالأعراض.

ويبدو أن الدكتور توفيق الشاوي[4] يوافقه الرأي في هذا التقسيم ويقول: “إن عد العقوبة المقررة لجريمة ما معياراً لجسامتها وخطورتها يسهل دراسة الجرائم أو تطبيق الأحكام استناداً إلى هذا المعيار التطبيقي أو المدرسي ويسهل مهمة شراح النصوص والقائمين بتنفيذها.

لكن فقه شريعتنا كما قدمنا من قبل له مهمة تتجاوز ذلك فهو يقوم باستنباط الأحكام لما يستجد من قضايا ولذلك يتعمق في فهم النصوص وليستكشف ناحية الخطورة في الفعل وأهمية الحق الذي تضرر به ودور هذا الحق في بناء المجتمع وحياة أفراده لأن هذا هو أساس العقوبة وهذا هو ما نسميه المعيار الموضوعي في تقسيم الجرائم لأنه يقوم على نوع الحق الذي وقع الاعتداء عليه فمعرفة هذا الحق المعتدى عليه تمكننا من أن نعتبر النص على حكم فرعي بالعقاب على فعل معين أساساً لنظرية شاملة تتفرع عنها قياساً أحكام تعزيرية للأفعال التي تضر بهذا الحق فيكون هناك مجموعة من الجرائم من أسرة واحدة تنسب إلى الجريمة التي شرع لها الوحي الإلهي عقوبة مقررة حداً أو قصاصاً فيكون حد الزنا والقذف منطلقاً للتعزير على أنواع متعددة من العدوان على حرمة الأعراض وحماية لكيان الأسر وحصانتها واستقرارها ويكون حد السرقة منطلقاً للتعزير على أنواع كثيرة من الاعتداءات على حرمة الأموال وحد الشرب منطلقاً للتعزير على كل فعل يضر بإرادة الأفراد وسلامة عقولهم وإدراكهم وحد الحرابة والبغي والردة (عند من يعدون هذه الجرائم حدية) مبرراً للتعزير على ما يسمى في عصرنا جرائم أمن الدولة الداخلي والخارجي أو الأمن الاجتماعي وهكذا.

ونحن ندعو للعناية بهذا التقسيم الموضوعي في مرحلة التنظير التي نحن فيها إننا نفضل المعيار الموضوعي الذي عبرنا عنه بأن هذه الجرائم قد خصصت لها العقوبات البدنية الرادعة لكي تحصن “حقوق الإنسان وحرماته وأسس المجتمع وقيمه الثابتة” وتردع من يعتدي عليها بطريق مباشر فالعقوبة القصوى (الحد أو القصاص) هي مجرد دليل على خطورة الجريمة ونتيجة لجسامة الفعل المعاقب عليه وإن السبب الذي فرض خطورتها هو عنصر موضوعي معياره أهمية الحق الفردي أو الكيان الاجتماعي الذي تهدده الجريمة والذي حرص المشرع الإلهي على حرمته وحمايته وقداسته بتقرير عقوبة بدنية على كل فعل يعد اعتداء مباشراً عليه.

لهذا السبب فإن هذه الجرائم الخطيرة التي فرض لها مشرعنا عقوبات مقدرة حداً أو قصاصاً يحسن أن نسميها جنايات بدلاً من عد لفظ الجناية مرادفاً لكلمة الجريمة ويكون فقهنا أكثر أصالة من التشريعات الوضعية لأنه يدخل في اعتباره المعيار الموضوعي وهو أهمية الحقوق والقيم التي تبرر تقرير عقوبة حدية أو قصاص في تلك الأحوال”.


[1] الإسلام عقيدة وشريعة ص 282 وما بعد

[2] يشكك الإمام بأنها من الحدود باعتبار أنها شرعت بناء على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “من بدل دينه فاقتلوه” وهو من أحاديث الآحاد ويرفض كثير من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد وأن الحديث مخالف لظواهر القرآن الكريم

[3] يرى الإمام أن العقوبة هي تعزيرية وليست حداً ملتزماً في كمه وكيفه

[4] الموسوعة العصرية في الفقه الجنائي الإسلامي ج 1 ص 224/أ وما بعد بتصرف

اترك رد