شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم

تتفق الجرائم جميعاً في أنها فعل محرم معاقب عليه ولكنها تتنوع وتختلف إذا نظرنا من غير هذه الوجهة وعلى هذا يمكننا أن نصنف الجرائم أصناف متنوعة تختلف باختلاف وجهة النظر إليها

يصنف الفقه الإسلامي التقليدي الجرائم من حيث صاحب الحق في العقوبة إلى حدود وقصاص أو دية وتعازير[1] ويرى بعض الفقهاء المعاصرون[2] إمكانية وجود تصنيف للجرائم باعتبارات أخرى فتصنف الجرائم باعتبار الركن المادي إلى جرائم إيجابية وجرائم سلبية وإلى جرائم بسيطة وجرائم اعتياد والى جرائم آنية وجرائم مستمرة وجرائم متعاقبة وتصنف الجرائم باعتبار الركن المعنوي إلى جرائم مقصودة وجرائم غير مقصودة وإذا نظرنا إلى طبيعتها الخاصة تصنف إلى جرائم عادية وجرائم سياسية.

ويرى أخرون[3] إضافة تصنيف موضوعي جديد هو تمييز الجرائم التي تعد اعتداء على حقوق الإنسان الشرعية الفطرية في سلامة بدنه وحياته التي خصتها الشريعة بعقوبات القصاص وكذلك الجرائم التي تعد اعتداء على النظام الاجتماعي القائم على حرمة الأعراض وحصانة الأسرة وحماية الأموال وسلامة العقل والوعي والإرادة والمعتقدات الدينية وما يتصل بها وخصتها بعقوبات مقدرة تمييزاً لها عن الجرائم التي يكفي فيها التعازير وهي الجزاء الجنائي العام وسنستعرض كل هذه التصنيفات ثم نبين ما أخذ به القانون الجزائي العربي الموحد ونناقش هذا الاتجاه.

التصنيف المبني على أساس صاحب الحق بالعقوبة:

تصنف الجرائم بحسب صاحب الحق بالعقوبة إلى ثلاثة أقسام:

1- جرائم الحدود[4]: وهي الجرائم المعاقب عليها بحد والحد هو العقوبة المقدرة حقاً لله تعالى ومعنى العقوبة المقدرة أنها محددة معينة فليس لها حد أدنى ولا حد أعلى ومعنى أنها حق لله أنها لا تقبل الإسقاط لا من الأفراد ولا من الجماعة وجرائم الحدود معينة ومحدودة العدد وهي على رأي أكثر الفقهاء سبع جرائم: الزنا , القذف , الشرب , السرقة , الحرابة , الردة , البغي[5].

2- جرائم القصاص والدية: وهي الجرائم المعاقب عليها بقصاص أو دية والقصاص هو العقوبة القصوى للجريمة وهو يجب لصالح ولي الدم فإن عفا ولي الدم عن القصاص أو قبل بالدية باعتبارها تعويضاًً مالياً بدلاً منه بقي حق المجتمع فالفعل لا يزال جريمة يعاقب عليها المجتمع لحفظ مصلحته وهنا يجب على القاضي النزول بالعقوبة عن حدها الأقصى وهو القصاص والحكم بعقوبة تعزيرية أخف منه وجرائم القصاص والدية خمس: القتل العمد , القتل شبه العمد , القتل الخطأ , الجناية على ما دون النفس[6] عمداً , الجناية على ما دون النفس خطأ.

3- جرائم التعازير: هي الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبة أو أكثر من عقوبات التعزير وهي حق للمجتمع يقرره أولي الأمر[7] أو القاضي ومعنى التعزير التأديب ولم يرد تحديد عقوبة لكل جريمة تعزيرية بل ما ورد هو تقرير مجموعة من العقوبات وترك لأولي الأمر أو للقاضي أن يختار العقوبة المناسبة لكل جريمة لا تدخل ضمن جرائم الحدود أو القصاص وجرائم التعزير غير معددة على سبيل الحصر كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص إلا أن الشريعة نصت على بعضها وهو ما يعتبر جريمة في كل وقت كالربا وخيانة الأمانة والسب والرشوة وتركت لأولي الأمر النص على بعضها الآخر مسترشدين بما تهديهم له المصلحة العامة للدولة.

ويرى الدكتور الشاوي أن تصنيف الجرائم إلى ثلاثة أنواع حدود وقصاص وتعازير يعني أن التعازير هي قسم من أقسام الجرائم ونوع منها وأن التعزير خاص بنوع واحد من الجرائم التي لا تستحق عقوبة حدية ولا قصاصاً ويرى أيضاً رحمه الله أن التعازير تشمل كل الجرائم ويعتمد على أن جمهور الفقهاء يرون أنه يمكن أن يضاف إلى عقوبات الحدود والقصاص العقوبة التعزيرية ومتفقون على التعزير إذا لم يمكن فرض عقوبة الحد أو القصاص بسبب لا يزيل صفة الجريمة عن الفعل ويقول: “إننا نرى الاحتراز من الخلط بين تقسيم العقوبات إلى ثلاثة أنواع وجعله تقسيماً للجرائم ونعتقد أن من الواجب مراعاة التفرقة بين أحكام الجرائم وأحكام العقوبات …. ونرى أن التعازير هي الأصل وأن الحدود والقصاص تطبق فقط في حالة توفر شروط معينة نعدها ظرفاً مشدداً أي أنها عقوبات استثنائية بديلة عن التعازير عندما يتوافر الظرف المشدد الذي يستوجب ذلك ولذلك فإن مهمتنا هي تحديد الظرف المشدد في كل جريمة لها عقوبة مقررة بنص شرعي”.


[1] لا نوافق على ما ذهب إليه الشهيد عبد القادر عودة من أن تقسيم الجرائم إلى حدود وقصاص وتعزير هو تقسيم حسب شدة العقوبة فإن بعض عقوبات القصاص تصل للقتل وهي بلا شك تفوق بجسامتها عقوبة بعض الحدود وعليه فلا يمكن القول بأن عقوبة جرائم الحدود أشد جسامة من عقوبة جرائم القصاص إضافة إلى أن بعض الفقهاء يرون أن عقوبة التعزير قد تصل للقتل وإذا أخذنا برأيهم فإن عقوبات التعزير قد تصل أبعد من بعض عقوبات الحدود والقصاص.

[2] عبد القادر عودة – التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ج 1 ص 78

[3] الإمام محمود شلتوت والدكتور توفيق الشاوي

[4] يسميها الفقهاء “الحدود” دون إضافة اللفظ جرائم إليها وعقوباتها تسمى الحدود أيضاً ولكنها تميز بالجريمة التي فرضت عليها فيقال: حد السرقة حد الشرب ويقصد من ذلك عقوبة السرقة وعقوبة الشرب

[5] يرى بعض الفقهاء أن الشرب والردة ليستا من الجرائم الحدية وسنفصل الآراء في موضعها إن شاء الله.

[6] الجناية على ما دون النفس: الاعتداء الذي لا يؤدي للموت كالجرح والضرب وبعض الفقهاء يتكلمون عن هذا القسم تحت عنوان الجنايات والبعض الأخر تحت عنوان الجراح والبعض يؤثرون لفظ الدماء عنواناً لهذا القسم.

[7] يقصد بأولي الأمر الهيئة التي تتولى حكم البلاد بعد اختيارها اختياراً حراً من قبل الأمة

اترك رد