شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم بحسب الركن المادي

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تصنيف الجرائم بحسب الركن المادي فيها

1- جرائم إيجابية وجرائم سلبية:

والجريمة الإيجابية: تتكون من ارتكاب فعل منهي عنه كالسرقة والزنا والضرب.

والجريمة السلبية: تتكون من الامتناع عن أداء فعل مأمور به كامتناع الشاهد عن أداء الشهادة والامتناع عن إخراج الزكاة أو القاضي عن الحكم بالدعوى.

ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الجريمة السلبية إذا وقعت على هذا الوجه استحق فاعلها العقوبة فمن حبس إنساناً ومنعه الطعام أو الشراب أو الدفء في الليالي الباردة حتى مات جوعاً أو عطشاً أو برداً فهو قاتل عمداً إن قصد بالمنع قتله وذلك ما يراه مالك والشافعي وأحمد أما أبو حنيفة فلا يرى الفعل قتلاً لأن الهلاك حصل بالجوع والعطش والبرد ولم يحصل بالحبس ولا صنع لأحد في الجوع والعطش والبرد ولكن أبا يوسف ومحمداً يريان الفعل قتلاً عمداً لأنه لا بقاء لآدمي إلا بالأكل والشرب والدفء فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش والبرد على الممنوع يكون إهلاكاً له.

ومن منع ما فاض عنه من مائه عن شخص لا ماء لديه وهو يعرف بأنه لا يجوز له منعه وأنه يموت إن لم يسقه اعتبر قاتلاً له عمداً وهو رأي في مذهب مالك ويرى بعض فقهاء مذهب أحمد أنه قتل شبه عمد.

وإذا حضر نساء ولادة فقطعت إحداهن الحبل السُّري ولم تربطه بعد قطعه متعمدة الامتناع عن ربطه فمات الوليد بسبب ذلك فهي قاتلة له ومن الممكن اعتبار بقية الحاضرات قاتلات إذا لم يرون أيضاً ربط الحبل السري لأن القطع غير قاتل بحد ذاته وإنما القاتل ترك الربط ولما كن جميعاً قد تعمدن ترك الربط فالقتل ينسب إليهن جميعاً.

ولا خلاف على مسؤولية الممتنع عن الجريمة العمدية إذا كان الواجب الذي لم يقم به مقرراً بموجب العقد أو القانون أما إذا كان الواجب عرفياً فيرى بعض الفقهاء أنه لا يقتص منه ولكن يعزر.

2- جرائم بسيطة وجرائم اعتياد:

الجريمة البسيطة: هي التي تتكون من فعل واحد كالسرقة والشرب وجرائم الحدود والقصاص أو الدية كلها جرائم بسيطة.

وجريمة الاعتياد: هي التي تتكون من تكرر وقوع الفعل أي أن الفعل الواحد لا يعتبر جريمة ولكن الاعتياد على ارتكابه هو الجريمة.

وجرائم الاعتياد توجد بين جرائم التعازير ويستدل عليها من النص المحرم للفعل فإن كان يشترط للعقاب اعتياد الفعل فالجريمة جريمة عادة وإن كان يكتفي بمجرد وقوع الفعل فالجريمة بسيطة.

وأهمية هذا التقسيم تبرز بالنسبة لحساب التقادم الذي يبدأ بعد الانتهاء من ارتكاب الفعل المشكل للجريمة الآنية وبعد الانتهاء من تكرار ارتكاب الفعل الذي يشكل جريمة بالنسبة لجرائم التكرار أيضاً تبرز أهمية هذا التقسيم بالنسبة لتحديد لاختصاص المحلي للمحاكم في حال ارتكب التكرار في عدة مناطق تتبع كل منها لدائرة عدلية مختلفة.

3- تقسيم الجرائم إلى جرائم آنية وجرائم مستمرة وجرائم متعاقبة:

– الجرائم الآنية: وتسمى أيضاً الجرائم المؤقتة وهي التي تتكون من فعل أو امتناع يحدث في وقت محدود ولا يستغرق أكثر من الوقت اللازم لوقوع الفعل أو قيام حالة الامتناع مثل جريمة السرقة فإنها تتم بمجرد وقوع الفعل أي أخذ الشيء خفية ومثل جريمة الشرب فإنها تتم بمجرد شرب الخمر ومثل جريمة كتمان الشهادة فإنها تتم بمجرد الامتناع عن أداء الشهادة.

– الجريمة المستمرة: هي التي تتكون من فعل أو امتناع قابل للتجدد والاستمرار فيستغرق وقوعها كل الوقت الذي تتجدد فيه الجريمة أو تستمر ولا تعتبر الجريمة منتهية إلا بانتهاء حالة التجدد أو الاستمرار ومثال ذلك حبس شخص دون حق والامتناع عن إخراج الزكاة والامتناع عن تسليم طفل إلى حاضنه وحمل السلاح بدون ترخيص.

– الجريمة المتعاقبة: وهي الجريمة التي تتجدد الأفعال فيها أو تتكرر بصورة متعاقبة أو متلاحقة كضرب المجني عليه عدة مرات أو السرقة عدة مرات وما يجمع هذه الجرائم هو وحدة الحق المعتدى عليه ووحدة الغرض ووحدة الإرادة الجرمية وهذه الوحدة تجعل من الأفعال المتعددة والمتعاقبة جريمة واحدة وإن تعددت عناصرها وفصلت بين هذه العناصر فترة أو فترات زمنية متعاقبة.

ولم يذكر الفقهاء شيئاً عن تقسيم الجرائم إلى جرائم آنية وجرائم مستمرة وعلة ذلك أن الفقهاء يهتمون فقط بجرائم الحدود وجرائم القصاص والدية وهذه الجرائم كلها آنية فلم يكن هناك إذن ما يدعو للتفرقة بين الجريمة المؤقتة والجريمة غير المؤقتة.

أما جرائم التعازير فبعضها مؤقت وبعضها مستمر وبعضها متعاقب ولكن الفقهاء جروا على إهمال بحث أحكام هذه الجرائم.

لهذا التقسيم أهمية من عدة نواح هي:

– قوة الشيء المقضي به: يعتبر الحكم في الجريمة الآنية صادراً عن الواقعة التي عرضت على المحكمة فإذا كانت هناك وقائع أخرى سابقة لم تعرض على المحكمة فلا يعتبر الحكم شاملاً لها ولو كانت من نوع الواقعة التي صدر عنها الحكم وكذلك الحال في الوقائع التي حدثت بعد صدور الحكم أما في الجرائم المستمرة والمتعاقبة فيعتبر الحكم شاملاً لجميع الوقائع السابقة على رفع الدعوى ولو لم تعرض بعض هذه الوقائع على المحكمة لأن كل الوقائع تكون جريمة واحدة ومن ثم فلا يجوز رفع الدعوى من جديد عن الوقائع التي لم تعرض على المحكمة ما دام سابقة على صدور الحكم.

– كما أن زمن الجريمة الذي يؤخذ بالحسبان لتطبيق القانون الجزائي في الزمان هو زمن توقف حالة الاستمرار في الجريمة المستمرة وانتهاء آخر فعل في الجريمة المتعاقبة.

– أيضاً يفيد التقسيم في تحديد المحكمة المختصة فينعقد الاختصاص المكاني لجميع المحاكم التي وقع في دائرتها فعل من الأفعال المكونة لجريمة مستمرة أو متعاقبة. – يبدأ التقادم على الدعوى العامة في الجريمة المستمرة في اليوم التالي لانتهاء حالة الاستمرار وفي الجرائم المتعاقبة في اليوم التالي لانتهاء أخر فعل من هذه الجرائم.

اترك رد