شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تسليم المجرمين

ليس في الشريعة ما يمنع من أن تسلم أية دولة إسلامية لأية دولة إسلامية أخرى أي مسلم أو ذمي أو مستأمن ارتكب في أرض إحدى الدولتين جريمة ما والتجأ إلى أرض الأخرى ما لم تكن هذه الدولة الأخرى قد حاكمته فعلاً على هذه الجريمة طبقاً لنصوص الشريعة فإن لها أن تمتنع عن تسليمه لأنه لا يجوز طبقاً للشريعة أن يعاقب على الفعل الواحد مرتين.

وعلة جواز التسليم ومنع التسليم واحدة وهي أن كل بلد إسلامي يعتبر جزءاً من دار الإسلام وأن كل الدول الإسلامية تعتبر ممثلة للإسلام وعلى كل منها أن تقيم حدوده وتنفذ أحكامه ففي حالة التسليم لا يسلم الجاني إلى دولة غريبة عنه ولا يحاكم بشريعة يجهلها ولا يعرضه التسليم لظلم أو ضرر والتسليم لا يقصد منه إلا ضمان تحقيق العدالة والزجر عن الإجرام وفي حالة الامتناع عن التسليم لدولة إسلامية لا يكون الامتناع إلا لإقامة نصوص الشريعة ولتحقيق العدالة والزجر عن الإجرام.

ولا تجيز الشريعة الإسلامية لدولة إسلامية أن تسلم رعاياها مسلمين أو ذميين ليحاكموا في دار الحرب عن جرائم ارتكبوها في تلك الدار ولا يجوز لدولة إسلامية أن تسلم أيضاً رعايا أية دولة إسلامية أخرى لدولة غير إسلامية لأن هؤلاء في حكم رعاياها من الوجهة الشريعة.

كما لا تجيز الشريعة لدولة إسلامية أن تسلم مسلماً منتمياً لدولة محاربة إذا هاجر لدار الإسلام من دار الحرب ولو طلبته الدولة التي كان يقيم في أرضها ما لم يكن هناك اتفاق سابق على التسليم فإن كان هناك اتفاق سابق وجب الوفاء بشروطه إلا الباطل منها.

ويعتبر الاتفاق على التسليم باطلاً إذا كان له أثر رجعي أي إذا أريد به تسليم المسلمين اللاجئين لدار الإسلام قبل الاتفاق ويعتبر باطلاً كل شرط يقضي بتسليم النساء المسلمات اللاجئات إلى دار الإسلام سواء لجأن لدار الإسلام قبل الاتفاق أو بعده فالمرأة المسلمة لا يجوز تسليمها بأية حال لدولة غير إسلامية ولو كانت من رعاياها أصلاً ولو كان لها زوج وأولاد وأهل يطلبونها في دار الحرب لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10].

ويجوز لأي دولة إسلامية أن تسلم المستأمن للدولة التي يتبعها إذا طلبته لتعاقبه على جريمة ارتكبها في بلده بشرط أن يكون هناك اتفاق يقضي بذلك ولكن ليس لها أن تسلمه إلى دولة أخرى غير دولته لأن هذا يتنافى مع عقد الأمان الذي أعطي له فأمن بمقتضاه على نفسه إلا أن يكون هناك عهد بين الدولة الإسلامية وبين الدولة طالبة التسليم يقضي بالتسليم فيعتبر الأمان قائماً على أساس التقيد بهذا العهد ويجوز التسليم وفاء بالعهد.

تسليم المجرمين السياسيين والعسكريين: تتفق الدول على عدم تسليم المجرمين في الجرائم السياسية والجرائم العسكرية وحق اللجوء السياسي مقرر في الشريعة الإسلامية (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) التوبة 6 وإذا كان القرآن يوجب حماية المشرك المستجير فإن ذلك أوجب من باب أولى بالنسبة للمسلم اللاجئ أما بالنسبة للجرائم العسكرية فليس في قواعد الشريعة الإسلامية ما يمنع من إقرار هذه الجزئيات لأنها لا تختلف مع قواعد الشريعة العامة.

وفي القانون العربي الجزائي الموحد يحق لكل دولة ارتكب مواطن عربي على أراضيها جريمة أن تطلب تسليم الفاعل لمحاكمته أمام محاكمها الوطنية دون اللجوء لإجراءات التسليم ما لم تكن الجريمة سياسية (المادة 12)[1] وهذا يعني أنه لا يحق لدولة ما أن تمتنع عن تسليم مواطنيها إلى دولة أخرى ولم يفصل القانون الجزائي العربي الموحد في أحوال التسليم هل يجوز تسليم الأجانب أم لا ولا نرى مبرراً لعدم النص على استثناء العسكريين المطلوبين لاتهامهم بارتكاب جرائم عسكرية صرفة كجرائم الفرار واغتصاب السلطة وعدم إطاعة الأوامر كما لم ينص القانون على عدم جواز التسليم في حال محاكمة الدولة التي طلب منها التسليم للمطلوب تسليمه على ذات الجريمة وصدور حكم بحقه بالبراءة أو بالعقاب كما لم يفصل القانون بحالات التسليم للدول الإسلامية غير العربية أو الدول غير الإسلامية.

كما يفهم من النص على أنه للدولة التي وقعت الجريمة على إقليمها أن تطالب بتسليم المجرم “دون اللجوء إلى إجراءات التسليم” أن التسليم يتم عن الطريق الإداري الصرف دون تدخل السلطات القضائية وهذا اتجاه غير موفق للقانون لأنه منح السلطات الإدارية حق تقرير ما إذا كان الجرم سياسياً أم لا وبالتأكيد سيتم ذلك بدون دعوة المطلوب تسليمه وسماع أقواله أمام جهة محايدة مما يؤدي إلى إهدار حق الدفاع وهذا الأمر سيؤدي إلى تضييع حق اللجوء السياسي على طالبيه وهدر الحريات الفردية وكان الأولى تشكيل لجنة قضائية تبت بطلبات التسليم بعد سماع أقوال المطلوب تسليمه.

كما لم يبين القانون الجزائي العربي الموحد الإجراء الواجب اتخاذه في حالة تعدد طلبات التسليم لأكثر من دولة كما لم يتحدث عن أثار التسليم.


[1] كل مواطن عربي ارتكب في إقليم دولة عربية جريمة ، مهما كان نوعها، يخضع إلى محاكم تلك الدولة التي لها أن تطالب بتسليمه دون اللجوء إلى إجراءات التسليم الخاصة بالأجانب، ما لم يتعلق الأمر بجريمة سياسية .

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تطبيق القانون الجزائي من حيث المكان

يشير واضع القانون الجزائي العربي الموحد في المذكرة الإيضاحية إلى أن ” الأصل في الشريعة الإسلامية أنها شريعة عالمية إلا أن الظروف قضت من الناحية العملية بأن تكون إقليمية فلا تطبق إلا على دار الإسلام”.

وما يعنيه عالمية الشريعة إنما يقصد به التزام الفرد الخاضع لها بأحكامها ويعمل بها في كل مكان يوجد فيه وطالما أن الأحكام الجنائية التي لا تطبق إلا بحكم قضائي فهذا يعني أنها لن تطبق إلا ضمن الأقاليم التي تحت الحكم الإسلامي وفي إطار إقليمي معين فهي أحكام إقليمية لأنها تطبق على الأفراد في حدود إقليم معين بواسطة سلطات ذلك الإقليم.

النظرية التقليدية في تطبيق الشريعة الإسلامية إقليمياً:

قسم الفقهاء القدامى العالم إلى قسمين لا ثالث لهما الأول يسمى دار الإسلام ويشمل كل البلاد الإسلامية الثاني يسمى دار الحرب ويشمل كل البلاد الأخرى لأن القسم الأول يجب فيه تطبيق الشريعة الإسلامية أما القسم الثاني فلا يجب فيه تطبيقها لعدم إمكان هذا التطبيق.

وتشمل دار الإسلام البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام أو يستطيع سكانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكانه كلهم أو أغلبهم مسلمون وكل بلد يتسلط عليه المسلمون ويحكمونه ولو كانت غالبية السكان من غير المسلمين ويدخل في دار الإسلام كل بلد يحكمه ويتسلط عليه غير المسلمين ما دام فيه سكان مسلمون يظهرون أحكام الإسلام أو لا يوجد لديهم ما يمنعهم من إظهار أحكام الإسلام.

وتشمل دار الحرب كل البلاد غير الإسلامية التي لا تدخل تحت سلطة المسلمين أو لا تظهر فيها أحكام الإسلام سواء كانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة أو تحكمها دول متعددة ويستوي أن يكون بين سكانها المقيمين بها إقامة دائمة مسلمين أو لا يكون ما دام المسلمون عاجزين عن إظهار أحكام الإسلام.

ويرى أبو حنيفة أن الشريعة تطبق على الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام أياً كانت الجريمة وسواء كان مرتكبها مسلماً أو غير مسلم لأن المسلم ليس له قانون غير الشريعة ولا يجوز له أن يرضى لنفسه قانوناً غيرها ولأن غير المسلم التزم أحكام الإسلام التزاماً دائماً بقبوله عقد الذمة الدائم.

أما من يقيم إقامة مؤقتة في دار الإسلام فلا تطبق عليه أحكام الشريعة إذا ارتكب جريمة تمس حقاً لله أي تمس حقاً للجماعة وإنما يعاقب بمقتضى الشريعة إذا ارتكب جريمة تمس حقاً للأفراد.

أما الجرائم التي يرتكبها مسلم أو غير مسلم خارج دار الإسلام فلا تطبق عليها الشريعة الإسلامية سواء وقعت من شخص مقيم في دار الإسلام ثم سافر إلى دار الحرب وعاد أو وقعت من شخص كان يقيم في دار الحرب ثم أقام بعد ذلك في دار الإسلام لأن المسألة عند أبي حنيفة ليست مسألة التزام المسلم أو الذمي بأحكام الإسلام أينما كان مقامه وإنما هي واجب الإمام في إقامة الحد ولا يجب على الإمام أن يقيم الحد أو العقوبة إلا وهو قادر على الإقامة لأن الوجوب مشروط بالقدرة ولا قدرة للإمام على من يرتكب جريمة في دار الحرب أثناء ارتكابها فإذا انعدمت القدرة لم تجب العقوبة .

بينما يرى أبي يوسف من فقهاء المذهب الحنفي ويرى أن الشريعة الإسلامية تسري على كل المقيمين في دار الإسلام سواء كانت إقامتهم دائمة أو كانت إقامتهم مؤقتة وحجته في ذلك أن المسلم يلزمه إسلامه بالتزام أحكام الإسلام وأن غير المسلم ملزم بأحكام الإسلام بمقتضى عقد الذمة الذي يضمن له الأمان الدائم أو بمقتضى عقد الأمان المؤقت الذي خوله الإقامة المؤقتة في دار الإسلام وبقبوله دخول دار الإسلام لأنه بطلبه دخول دار الإسلام قد قبل أن يلتزم أحكام الإسلام مدة إقامته ولأنه لما منح إذن الإقامة منحه على هذا الشرط فصار حكمه حكم غير المسلم المقيم إقامة دائمة في دار الإسلام ولا فرق بينهما.

ومن الواضح أن فقيهي الحنفية أبو حنيفة وأبو يوسف قد فرقا بين ولاية القضاء وولاية الشريعة فالمقصود من أن الجرائم التي خارج دار الإسلام من قبل المسلم أو الذمي لا يعاقب عليها هو أن قضاء الدولة الإسلامية غير مختص بنظرها لوقوعها في إقليم دولة أخرى فالأولى أن قضاؤها هو الذي يفصل في هذه الجريمة.

ويرى مالك والشافعي وأحمد أن الشريعة تطبق على كل جريمة ترتكب في أي مكان داخل حدود دار الإسلام سواء أياً كان مرتكب الجريمة كذلك تطبق الشريعة عند هؤلاء الأئمة على كل جريمة ارتكبها أحد رعايا الدولة الإسلامية في دار الحرب فيعاقب المسلم والذمي على الجرائم التي يرتكبها أحدهما في دار الحرب ولو كان الفعل مباحاً في دار الحرب كالربا ما دامت الشريعة الإسلامية تحرم على أحدهما هذا الفعل أما إذا كان الفعل محرماً في دار الحرب ولكن الشريعة الإسلامية تبيحه فلا عقاب على من ارتكبه في دار الحرب.

نقد النظرية التقليدية:

لا يوافق الدكتور توفيق الشاوي رحمه الله على التقسيم الثنائي للعالم إلى دار حرب ودار إسلام ويرى بأن هذا التقسيم يتجاهل القسم الثالث وهو دار العهد الذي يشمل البلاد غير الإسلامية التي يكون بينها وبين المسلمين عهود مسالمة وهذا القسم أصبح الآن يشمل جميع بلاد العالم التي تعاهد معها المسلمون بعهود جماعية مثل ميثاق الأمم المتحدة فضلاً عن العهود الثنائية وخاصة فيما يتعلق بالتمثيل السياسي والاتفاقات الإقليمية والتجارية وما إليها.

وإذا سلمنا بصحة التقسيم الثنائي فإن المنطق يوجب أن يكون المقابل لدار الحرب دار السلم التي تشمل كل البلاد المسالمة للأمة الإسلامية وهي تضم حالياً جميع دول العالم التي لا توجد في حالة حرب مع المسلمين.

أيضاً هذا التقسيم قد يؤدي إلى قلب المفاهيم ويجعل من كثير من بلاد المسلمين دار حرب وبعض بلاد غير المسلمين دار سلام إذ يصف الفقهاء دار الإسلام بأنها هي التي تظهر فيها أحكام الشريعة أو يستطيع سكانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام دينهم فدار الإسلام هي دار الأمن والسلام للمسلمين بينما دار الحرب هي دار العداء والخوف للمسلمين والناظر في واقع العالم الآن يرى في بعض البلاد الأجنبية بلاداً يستطيع فيها المسلم أن يظهر أحكام دينه دون خوف أو وجل ويطالب بتطبيقها ولا يمنعه من ذلك مانع بينما في بلاد المسلمين فإن كثيراً من السلطات تعلن تنكرها للشريعة وتعد الحركات المطالبة بها منظمات إرهابية يحاكم أعضائها ويعاقبون بعقوبات قاسية.

العصمة والإهدار في النظرية التقليدية:

سكان دار الحرب على نوعين: فهم إما حربيون وإما مسلمون.

أما الحربيون فهم سكان دار الحرب الذين لا يدينون بالإسلام ويقال لأحدهم حربي والحربيون غير معصومين أي أن دماؤهم وأموالهم مباحة ما لم يكن بينهم وبين دار الإسلام عهد أو هدنة لأن العصمة في الشريعة لا تكون كما قلنا إلا بأحد شيئين بالإيمان أو الأمان.

وليس للحربيين – إذا لم يكن بينهم وبين دار الإسلام عهد – أن يدخلوا دار الإسلام فإذا دخلها أحدهم فهم مباح الدم والمال ويجوز قتله ومصادرة ماله كما يجوز أسره والعفو عنه.

أما المسلم الذي يسكن دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام أصلاً فهو عند مالك والشافعي وأحمد من أهل دار الإسلام يعصم بإسلامه دمه وماله ولو أنه مقيم في دار الحرب مهما طالت إقامته وإذا أراد دخول دار الإسلام لا يمنع منها بينما يرى أبو حنيفة أن المسلم المقيم في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام غير معصوم بمجرد إسلامه لأن العصمة عند أبي حنيفة ليست بالإسلام وحده وإنما يعصم المسلم عنده بعصمة الدار ومنعة الإسلام المستمدة من قوة المسلمين وجماعتهم، والمسلم في دار الحرب لا منعة له ولا قوة فلا عصمة له ولكن له أن يدخل دار الإسلام في أي وقت فإذا دخلها استحق العصمة[1].

لا بد أن نشير هنا ونؤيد رأي الدكتور توفيق الشاوي في هذه القضية الهامة “إننا نتحفظ على هذه الأقوال التي تؤدي إلى إباحة الاعتداء على حقوق الإنسان التي حصنتها الشريعة مثل الحق في الحياة وسلامة البدن بدليل أنها فرضت للعقاب عليها عقوبة القصاص التي قصد بها المشرع في نظرنا حماية حق الإنسان في حياته وسلامة بدنه وهي الحماية التي تعد أساساً لنظرية شرعية عامة في ضمان حقوق الإنسان وحمايتها من المساس بها إلا بحكم قضائي تنفذه سلطة شرعية وعلى ذلك فإنه لا يسوغ قيام فرد بقتل أي إنسان سواء كان حربياً أو ذمياً أو مستأمناً أو مسلماً بحجة إقامة الحد عليه أو بحجة أنه غير معصوم لأن جميع الناس معصومون بصفتهم بشراً متساوين في الحقوق الإنسانية ولذلك فإن إقامة الحدود من اختصاص القضاء الملتزم بالشريعة دون غيره.

إن الأقوال التي بنيت على افتراض وجود حالة حرب دائمة بين المسلمين وغيرهم قد فات أوانها والقول بذلك غير صحيح حالياً ولا نقره إلا بالنسبة للمحاربين المقاتلين من الأعداء في أثناء الحرب أما مجرد الانتساب إلى دولة غير إسلامية أو معادية فلا يحرم الفرد من الحماية التي قررتها الشريعة لحقوق الإسلام إلا حين تثبت مشاركته في العداون علينا ومن باب أولى لا يعد الأجنبي محارباً إذا كانت الدولة التي ينتسب لها معاهدة أو مسالمة للمسلمين وليست محاربة وجميع الدول التي وقعت على المواثيق الدولية الجماعية والفردية هي ول معاهدة ومسالمة ولا يصح وصفها بأنها دار حرب ولا يجوز بالتالي القول بعدم عصمة رعاياها أو حرمانهم من الحقوق الإنسانية التي قدستها شريعتنا وتحرم كل عدوان عليها.

ومن باب أولى لا يجوز أن نقر ما ينسب لأبي حنيفة من أن المسلم المقيم في بلد أجنبي ولم يهاجر لدار الإسلام يكون غير معصوم بحجة أنها دار حرب أو أن المسلم في أي بلد أجنبي لا عصمة له ولا القول بأن كل بلد سكانها غير مسلمين هي دار حرب دون أن تكون بينها وبين المسلمين حرب فعلية”[2].

الاختصاص الإقليمي في القانون الجزائي العربي الموحد:

أخذ القانون الجزائي العربي الموحد بجزء من النظرية التقليدية في تطبيقه من حيث المكان وفق رؤية الفقيه الحنفي أبي يوسف وحسناً فعل بذلك فإن التاريخ يذكر لنا أن قد أسيء تطبيق نظرية أبو حنيفة وأصبحت ذريعة كي يتمتع الأجانب بامتيازات في الدولة الإسلامية تطورت ليصبح لهم قضاؤهم الخاص فيما بعد وأعطوا ثقة لم يكونوا أهلاً لها بل استغلوها أيما استغلال.

ولم يذكر واضع القانون الجزائي العربي الموحد الاختصاص الشخصي فهو لا يحاسب على الجرائم المرتكبة خارج البلاد العربية من قريب ولا بعيد[3] بل يقتصر تطبيقه على الجرائم التي ترتكب ضمن حدود هذه البلاد أياً كان مرتكبها (المادة 11)[4] والواقع أن أبا يوسف لم يتحدث عن التفريق بين البلاد العربية وغير العربية بل تحدث عن التفريق بين البلاد التي تحكمها الشريعة الإسلامية والبلاد التي لا تحكمها الشريعة الإسلامية ولكن هذا لا يعيب القانون ويجعله مخالفاً لأحكام الشريعة فتقسيم العالم إلى دارين أو غير ذلك وتحديد الاختصاص الإقليمي للقانون هو أمر اجتهادي ولم يرد فيه شيء من النصوص القطعية ولا بأس بأي قول طالما أن المقصد من خلاله هو تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل يناسب متطلبات الزمان والمكان وليس استبعاد تطبيقها كلياً أو جزئياً.

يشمل الإقليم مساحة الأرض التي تفرض الدولة سيادتها عليها والمياه الإقليمية وفق قواعد القانون الدولي والأرض التي تحت هذه المياه والفضاء الذي فوق الإقليم البري والمياه الإقليمية.

كما أحسن واضع القانون حين أهمل الأخذ بنظرية العصمة والإهدار تبعاً للانتماء العقدي أو المكاني للاعتبارات السابق ذكرها ونلاحظ أن القانون الجزائي العربي الموحد لم ينص على حكم الجرائم التي تقع ضمن معسكرات الجيوش العربية خارج الأراضي العربية هل هي تخضع لاختصاصه أم لا رغم أن الفقهاء القدامى فصلوا القول في هذه الحالة وعدوها جزءاً من إقليم الدولة التي يتبعون لها.

الإقليم الاعتباري:

استقر التعامل الدولي على أن ينزل منزلة الإقليم الوطني للدولة المركبات الهوائية والسفن التي ترفع علم هذه الدولة وقد نص القانون الجزائي العربي الموحد بشكل صريح وواضح على ذلك (المادة 13)[5] واستثنى الحالات التي تخضع فيها الجرائم المرتكبة على متن هذه المركبات والسفن للقانون الأجنبي وهذه الحالات محددة في القانون الدولي بما يلي:

  1. أن يكون الجاني أو المجني عليه من جنسية البلد التي هبطت فيها الطائرة أو دخلت السفينة مياهها الإقليمية.
  2. حالة هبوط الطائرة في أراضي الدولة أو رسو السفينة في موانئها.
  3. حالة تجاوز الجريمة لشفير المركبة أو السفينة.
  4. حالة طلب ربان السفينة أو الطائرة المساعدة من السلطات المحلية.

هناك جرائم قد ترتكب على الأراضي العربية ولكن لا يطبق عليها القانون الجزائي العربي الموحد إما لصفة مرتكبيها أو لاعتبار مكان ارتكابها وهذه الحالات محددة في القانون الداخلي أو الدولي فالنسبة للأشخاص هناك حصانة مقررة في القانون الدولي لرؤساء الدول ووزراء خارجيتها وأعضاء البعثات الدبلوماسية ولأعضاء مجلس الشعب في القانون الداخلي فهؤلاء لا يطبق عليهم القانون الجزائي العربي بالنسبة للجرائم التي يرتكبونها في البلاد العربية أيضاً هناك أماكن تستثنى بمقتضى القانون الدولي من تطبيق القانون الجزائي العربي فيها كمقار البعثات الدبلوماسية والسفن والمركبات الهوائية التابعة لدولة أجنبية ضمن الشروط التي تم ذكرها في الفقرة السابقة.


[1] عبد القادر عودة التشريع الجنائي الإسلامي ج 1 ص 274.

[2] الموسوعة العصرية في الفقه الجنائي الإسلامي ج 2 ص (ب/266)

[3] في الواقع إن النص يتناقض مع المذكرة الإيضاحية التي تشير إلى الاختصاص الشخصي بشكل واضح ورد فيها “إن المبدأ العام في الشريعة الإسلامية هو سريان أحكامها على الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام أياً كان مرتكبها وعلى الجرائم التي ترتكب في دار الحرب من مقيم بدار الإسلام” وغالب الظن أن المادة 11 من القانون قد عدلت وفق الصيغة الحالية وسها واضع القانون عن تعديل المذكرة الإيضاحية لأن نص المادة 14 منه يشير إلى وجود حالات يطبق فيها القانون الجزائي العربي الموحد على جرائم وقعت خارج أقاليم الدول العربية.

[4] يسري القانون الجنائي العربي الموحد على كل من يوجد في إقليم إحدى الدول العربية من مواطنين و أجانب و عديمي الجنسية ، مع مراعاة الاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي أو الدولي .

[5] يدخل ضمن إقليم الدول العربية، السفن، والمركبات الهوائية العربية أينما وجدت، عدا الحالات التي تكون خاضعة فيها لتشريع أجنبي بمقتضي القانون الدولي .

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: عدم رجعية القانون الجزائي

من تطبيقات مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أنه لا يطبق النص الجنائي على أي فعل وقع قبل نفاذه (المادة 5)[1] وهذا المبدأ يعرف بمبدأ عدم رجعية القوانين ومن تطبيقاته أنه لا يجوز معاقبة شخص على فعل ارتكبه قبل صدور القانون القاضي بتجريمه فالقانون يجب أن ينذر قبل أن يعاقب وذلك لضمانة أمن وحقوق الأفراد فلا يفاجأ الشخص بعد قيامه بفعل ما بوجود نص قانوني جديد بجرم هذا الفعل.

وهذا المبدأ مستخلص من تتبع آيات الأحكام الجنائية وأسباب نزولها فقد نزلت جميع الأحكام التي حرمت المعاصي بعد أن فشا الإسلام فلم يعاقب بها على الجرائم التي وقعت قبل النزول

ولمبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية عدة استثناءات تندرج جميعها تحت قاعدة القانون الأصلح للمتهم:

1- حالة إلغاء الصفة الجرمية للفعل (المادة 6)[2]: قد يعدل واضع القانون عن رأيه باعتبار فعل ما جريمة لاعتبارات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وهنا يجب أن يستفيد المتهم من القانون اللاحق لارتكابه الجرم إذا كان هذا القانون يزيل صفة الجريمة عن ذلك الفعل وأن يحكم بعدم مسؤوليته ذا كانت الدعوى قيد النظر أما إذا كان قد صدر حكم نهائي بالدعوى فإنه يوقف تنفيذ العقوبة المقضي بها ولو كان صدر قرار قطعي في الدعوى.

2- تطبيق القانون الأصلح للمتهم (المادة 7)[3]: إذا صدر خلال فترة المحاكمة وقبل صدور قرار مبرم في الدعوى قانون جديد يعدل من شروط التجريم أو وصف الجريمة أو من العقوبة فإنه يؤخذ بعين الاعتبار إذا كان تطبيقه أصلح للمتهم أما إذا كان قدر قرار مبرم بالدعوى فلا تعاد المحاكمة احتراماً لقوة الشيء المحكوم به.

والعلة في تطبيق النص اللاحق إن كان هو الأصلح للمتهم أن المقصود من العقوبة هو منع الجريمة وحماية الجماعة فهي ضرورة اجتماعية اقتضتها مصلحة الجماعة وكل ضرورة تقدر بقدرها فإذا كانت مصلحة الجماعة في تخفيف العقوبة وجب أن يستفيد الجاني الذي لم يحكم عليه بعد من النص الجديد المخفف للعقوبة لأن حفظ مصلحة الجماعة ليس في التشديد ولأنه من العدل ألا تكون العقوبة زائدة عن حاجة الجماعة ما دامت شرعت لمصلحة الجماعة ولأن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً.

ولا نرى محلاً لما ذهب له الشهيد عبد القادر عودة من القول بأن هناك إمكانية لرجعية القوانين الجزائية في الجرائم الخطيرة كون إحدى الواقعتين التي استدل بها فهمت فهماً خاطئاً والثانية فيها شذوذ عن أصول الشريعة برأي معظم الفقهاء المعاصرين وعليه من الخطأ القول بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قرر لبعض النصوص الجزائية أثراً رجعياً والقول بغير ذلك يمس باعتبارات العدالة التي هي مقصد من مقاصد الشريعة والحكم الفرعي الذي يخالف الأصل لا يعتبر بدون دليل قطعي الثبوت والدلالة فالمقاصد إما قطعية أو قريبة الظن من القطع.

لا تطبق الاستثناءات في حالة القوانين المؤقتة (المادة 8)[4]: قد تصدر السلطات في الدولة قوانين لمواجهة حالة مؤقتة كالكوارث الطبيعية أو الاقتصادية أو لمواجهة ظروف سياسية وتفرض عقوبات معينة على مخالفيها وتحدد مدة سريان هذه القوانين بحيث يعود الفعل إلى حالة الإباحة تلقائياً بمجرد حلول الأجل المنصوص عليه في القانون وهنا يفترض أن يستفيد كافة المتهمون أو المحكومون بسبب مخالفة هذا القانون كون الفعل أصبح مباحاً إلا أنه واستثناء من قاعدة القانون الأصلح للمتهم فإن المتهم لا يستفيد ويقضي عقوبته كاملة وذلك لمنع الناس من مخالفة هذه القوانين المؤقتة قبل انتهاء مدة سريانها بقليل معتمدين على طول فترة المحاكمة للنجاة من العقاب.

وتخضع التدابير الوقائية المنصوص عليها في هذا القانون أيضاً لقاعدة المشروعية وقاعدة عدم الرجعية (المادة 9)[5] فلا يجوز الحكم بأي تدبير وقائي لم ينص عليها القانون ولم يكن نافذاً بتاريخ صدور الحكم كما أن زوال الصفة الجرمية للفعل يوجب إلغاء هذه التدابير أيضاً إلغاء هذا التدبير من القانون يوجب على المحكمة الحكم بإنهائه فوراً وفي حال تعديل التدبير الوقائي على المحكمة مراجعة حكمها وتعديل التدبير الوقائي المحكوم به وفرض التدبير الوقائي الجديد المادة (10)[6].


[1] لا يجوز مؤاخذة أحد عن فعل لم يكن يشكل جريمة بمقتضي القانون النافذ حين اقترافه

[2] لا يجوز مؤاخذة أحد عن فعل لم يعد جريمة بمقتضي قانون صدر بعد ارتكابه ، فإن كان قد صدر حكم نهائي بالإدانة ، فإن العقوبات المقضي بها ، يوضع حد لتنفيذها .

[3] في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول ، بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها ، يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم .

[4] استثناء من أحكام المادتين 6 و 7 تظل القوانين المؤقتة – بعد انتهاء العمل بها – سارية على  الجرائم المرتكبة خلال مدة تطبيقها .

[5] لا يجوز الحكم بأي تدبير وقائي ، إلا في الأحوال وطبق الشروط المقررة في القانون.

ولا يحكم إلا بالتدابير المنصوص عليها في القانون النافذ وقت صدور الحكم .

[6] ينتهي تنفيذ التدبير الوقائي إذا صدر قانون جديد يزيل صفة الجريمة عن الفعل الذي استوجبه، أو إذا صدر قانون يلغي ذلك التدبير .

أما إذا أبدل القانون الجديد بالتدبير الوقائي تدبيرا آخر ، بعد صدور حكم نهائي بالإدانة ، يعاد النظر في هذا التدبر من قبل ذات المحكمة التي قضت به على ضوء التدبير الوقائي الجديد .

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: المقاصد من وضع القانون الجزائي العربي الموحد

إن الشريعة الإسلامية لم تحظر على الناس أنواعاً من السلوك للتضيق عليهم أو الاستبداد بهم والتسلط عليهم وإنما حظرت بعض الأفعال ابتغاء حماية مصالح اجتماعية تتأذى بهذه الأفعال وبعبارة أخرى استهدفت صيانة مصالح للمجتمع تهدرها هذه الأفعال.

وقد أصل الفقهاء المصالح التي تحميها قواعد التجريم فردوها إلى مصالح خمس: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال وبناء على ذلك كانت الأفعال التي تهدر إحدى هذه المصالح جديرة بالتجريم وكان متعيناً في تحديد أركان الجريمة التي تهدر هذه المصلحة الاستهداء بعناصر المصلحة بحيث يكون من شأن التجريم كفالة الحماية الكاملة لها.

وتحديد هذه المصالح محل الحماية هو عمل فقهي ومن الجائز مراجعته والإضافة إليه إذا تبين أن ظروف المجتمع الحديث تقتضي حماية مصالح أخرى.

ويأتي القانون الجزائي العربي الموحد ليحقق مقصداً مهماً من مقاصد الشريعة الإسلامية هو حفظ أمن وسلامة المجتمع عن طريق توقيع الجزاء على المخالف فالعقوبة تردع المجتمع والمجرم من ارتكاب الجرائم ولذا يقول القرافي: “الزواجر معظمها على العصاة زجراً لهم عن المعصيّة وزجرا لمن يقدم بعدهم على المعصيّة” ومن ثمّ فالعقوبة تهدف إلى منع وقوع الجريمة ابتداء أو في المستقبل بحيث أن المتأمل في العقوبات الشرعية يجد أن لها وقعا في الأنفس يترتب عليه الخوف من أن تحل به إحدى العقوبات فيحدث امتناع من الفرد عن الاقتراب من الجرائم التي نصّ عليه الشارع والتدبير الوقائي يلحق بالعقوبة من حيث الغاية.

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

أقرت الشريعة الإسلامية بشكل واضح أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وذلك بصريح النص القرآني (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وقد تم تطبيق هذا المبدأ في الشريعة الإسلامية عن طريق نظريتين تحكمان عمل القاضي تنص الأولى على أن القاضي مكلف منذ تعيينه قاضياً بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) وأنه محاسب على تقصيره في ذلك أمام الله وهذه المسؤولية توجب عليه أن يرجع للمصادر الأساسية للشريعة ويستنبط منها العناصر التي يشكل اجتماعها الفعل الجرمي في جرائم الحدود والقصاص فإن تبين له أنه وقع وفق الصورة التي حددها الشارع فليس له أن يغير في العقوبة المحددة في الشريعة الإسلامية أو ينقص منها شيئاً.

وللقاضي حرية واسعة في تقدير ما إذا كان الفعل قد وقع وفق الصورة التي أوجب الشارع على مرتكبها عقوبة الحد أو القصاص أم لا طالما أن تقديره هذا مبني على استنباط لعناصر الجريمة وفق القواعد المعتبرة للاستنباط في أصول الفقه.

أما في التعازير فإن الأفعال التي تعتبر جريمة تعزيرية فهي إما أفعال محددة في الشريعة باعتبارها من المعاصي التي يشكل ارتكابها خطراً على المصلحة العامة والممكن إثباتها قضاء ولكن لم تحدد عقوبتها ولا العناصر التي تشكل أركان الجريمة بل ترك للقاضي سلطة تقديرية واسعة في ذلك أو أنها أفعال غير محددة بشكل مسبق إلا من حيث أنها تلك التي يشكل ارتكابها ضرراً بالمصلحة العامة.

والعقوبة في التعازير محددة ضمن مجموعة من العقوبات لا يستطيع القاضي أن يخرج عنها وهذا لا يعتبر خروجاً عن مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص بل تطبيق خاص له وقال بهذه النظرية الشافعية والمالكية والحنابلة.

أما النظرية الثانية وقال بها الأحناف فترى أن القاضي هو مناب عن رئيس الدولة الشرعي المكلف عن طريق الانتخاب الحر من قبل الأمة بتطبيق أحكام الشريعة وعليه فإن لرئيس الدولة أن يقيد وكيله القاضي بتطبيق مذهب معين أو أحكام معينة طالما أنها جميعاً لا تتعارض والفهم السليم للشريعة الإسلامية.

ويقترح الدكتور توفيق الشاوي رحمه الله أن يتولى تقنين القانون الجنائي مجلس الاجتهاد المؤلف من العلماء والفقهاء والاختصاصيين في الشؤون المختلفة (علوم النفس والاجتماع والسياسة والشؤون العسكرية … ألخ) ويشاركهم في ذلك مجلس القضاء الأعلى بصفته مؤسسة مستقلة عن السلطة التنفيذية وبعد ذلك يمكن لمجلس الاجتهاد أو رئيس الدولة بناء على اقتراح من المجلس أن يصدره وبذلك يكون التشريع الجنائي كله صادراً عن ممثلي الأمة الذين اختارتهم بالشورى الحرة.

ويبدو أن واضع القانون الجزائي العربي الموحد (المادة 1)[1] قد اتجه إلى الأخذ بالنظرية الثانية واعتبار القانون هو ما يحدد ما يعتبر من الأفعال جرماً يستوجب العقوبة أو فرض تدابير وقائية على مرتكبيها وما لا يعتبر كذلك وقد أحسن واضع القانون بهذا الاختيار فالعدل والحكمة تقتضي استقرار المعاملات بين الناس ويميل المرء بطبعه لأن يعرف قواعد القانون حتى يتجنب خرقها ولا يتيسر ذلك إلا بكتابتها بشكل يسهل على العامة الوصول إليه.

أيضاً من وجوه العدل المساواة بين المتساوين وتقنين الجرائم والعقوبات يحقق هذه المساواة في العقوبة بين مرتكبي الفعل الواحد فعلى سبيل المثال قد يرتكب أشخاص فعلاً أو قولاً يشكل خروجاً من الملة -والعياذ بالله من هذا- وتعرض قضيتهم أمام قضاة مختلفين فأحدهم يستتاب أبداً ولا يقتل وأخر يقتل دون استتابة والثالث يستتاب ثلاثاً ثم يقتل إن لم يتب وكل قاض يستند إلى فهم مقبول للشريعة في حكمه ولكن لم تتحقق المساواة بين المتساويين وبذلك يختل ميزان العدل الذي تعتبر إقامته مقصد من مقاصد الشريعة.

أيضاً فإن في تقنين الجرائم سد لباب الرشوة والفساد في القضاء فترك القاضي يحكم وفق أحكام الشريعة التي اختلف الفقهاء قديماً وحديثاً في تفسيرها يفتح الباب للمتقاضين أمامه لمراجعته ليأخذ بالرخص التي تخفف عنهم العقاب أو تعفيهم منه لقاء منفعة شخصية مادية أو معنوية يقدمونها له وفي هذا فساد للقضاء وسد الذرائع مقصد من مقاصد الشريعة.

كما أن في وضع قواعد التجريم والعقاب في نصوص قانونية مبوبة وسهلة القراءة لغير المختصين بلاغ للمكلفين ورفع للحرج عنهم فقد يتأول شخص نصاً من نصوص الشريعة بغير علم فيقع بما حرمه الله ويقام عليه الحد بتأويله الخاطئ وقد حدثت حادثة في التاريخ الإسلامي أن شخصاً يدعى أبو جندل بن سهل وجماعة معه شربوا الخمر في الشام مستحلين لها مستدلين بقول الله جل شأنه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} [المائدة:93] فأقيم عليهم حد الخمر فحين تحدد نصوص التجريم والعقاب بشكل سهل الفهم يقل مجال التأويل وبالتالي مجال الخطأ.

ولا خوف على الاجتهاد من الاندثار ذلك أن حرية التفكير والتعبير عن الرأي مكفولة في الإسلام وبوجود الحرية السياسية يمكن لمن يرى فهماً مخالفاً لنصوص الشريعة أن يعرضه ويناقش فيه للوصول لتطبيقه.

إن الأخذ بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يؤدي إلى أن القاضي يتوجب عليه تطبيق القانون فقط (المادة 3)[2] أي أنه لا يجوز له العقاب على أي فعل بدون وجود نص في القانون ولا يحق له في حكمه أن يشكك بحكمة واضع القانون كأن يدعي أنه سها عن تجريم فعل معين ويحكم بتجريمه أو يضيف للجريمة أركاناً لم ترد في القانون أو ينقص من أركانها الواردة فيه أو أن يضيف عقوبة غير منصوص عليها أو ينقص أو يزيد العقوبة المنصوص عليها عن الحد الموضوع لها أو يلغى العقوبة المفروضة على فعل ما بل يتوجب على القاضي يطبق القانون فقط وله في معرض تطبيقه هذا تفسير النصوص وفق منطوقها وروحها بدون أن يخرج عما تحتمله من معاني فإن فعل خلاف ذلك كان قراره غير نافذ وإن كان له أصل في الشريعة وتعرض للمحاسبة المسلكية.


[1] يحدد القانون الجزائي العربي الموحد الأفعال التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من إخلال بمبادئ وأحكام الشرعية الإسلامية و بأمن وسلامة المجتمع ، و يوجب فرض عقوبات أو تدابير وقائية علي مرتكبيها .

[2] لا يجوز مؤاخذة أحد عن فعل لا يعد جريمة بنص القانون ولا معاقبته بعقوبات غير مقررة فيه .

شرح القانون الجزائي العربي الموحد: من له الحق بالتشريع في المواد الجنائية وتطبيق القانون الجنائي الإسلامي

إن المشرع هو الله في كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين وقد أجاز للأمة تفويض علمائها ليتولوا مهمة إكمال الأحكام الشرعية وتنميتها بالاجتهاد والإجماع وعليه فالحق في تقنين التشريع الجنائي لا تملكه الدولة ولا حكوماتها وإنما يرجع فيه إلى العلماء المفوضين من الأمة لأنهم أقدر من غيرهم على التمييز بين المعاصي التي تصل إلى مستوى الجريمة المعاقب عليها بعقوبة جنائية والمعاصي التي تكفي لمقاومتها التدابير التربوية والإصلاحية أو الوقائية.

كما أن الأمة هي المكلفة بتطبيق الشريعة الإسلامية وهو حق أصيل لها بموجب النصوص القرآنية واضحة الدلالة (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) البقرة 3 (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش) الأعراف 10 (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) الحج 65 وتمارس الأمة حقها هذا عن طريق ممثليها الشرعيين الذين ينتخبون بإرادة حرة ولهؤلاء وحدهم حق توقيع العقوبات بما في ذلك عقوبات الحدود والقصاص والإشراف على تنفيذ العقوبات بما في ذلك الإشراف على السجون ولذلك فإن الإهدار لا يسمح للفرد العادي أياً كان ولو كان هو المجني عليه بتوقيع الحد أو القصاص أو التعزير مهما تكن الظروف إلا إذا كان بأمر القضاء المستقل وتحت إشرافه ومسؤوليته وسنوضح ذلك بتفصيل أكبر عند الكلام عن العصمة والإهدار.

هذا يعني أيضاً أنه لا يحق لمن تولى السلطة بطريق فعلي وغير شرعي باستخدام القوة والغصب أن يدعي أنه يطبق الشريعة الإسلامية كما لا يحق لجماعة معينة في مكان ما أن تقيم الحدود على منطقة جغرافية محددة وتجعل نفسها دولة داخل الدولة وإلا أصبح الأمر فوضى.

وقد يقول قائل أنه إذا لم تقم الحكومات بتطبيق الحدود فإن ذلك يصبح واجباً على الأفراد والأصح القول بأن على الأفراد أن يغيروا الحكومات التي تتنكر للشريعة في حدود إمكاناتهم وأن يتولى الفقهاء إرشادهم إلى الطريق الصحيح لذلك لا محل لمطالبة الأفراد بإقامة الحدود على بعضهم فهذا الأمر من اختصاص القضاء الإسلامي المستقل المعين من قبل الحاكم الشرعي الذي تم اختياره بإرادة حرة من قبل الأمة. وعليه فإن الشرط الأول لتطبيق الحدود هو إقامة السلطة التي تخضع للشريعة والحكومات إلى تلتزم بها هي أولاً وليس من العقل الظن أن الحكومات التي لا تطبق الشريعة على نفسها وعلى أعوانها هي مؤهلة لتطبقها على الأفراد ولا يجب أن نقبل منهم ذلك ونصفهم بأنهم طبقوا الشريعة لمجرد أنهم طبقوا الحدود على غيرهم وهم أول من يجب أن تطبق عليه تلك الحدود.

الإغتصاب هو السلاح القذر لعصابات الأسد

الإغتصاب السلاح القذر لعصابات الاسد
لم يَدَع النظام السوري أي وسيلة للقضاء على الثورة والمدنيين إلا واستخدمها، ومن بينها اللجوء إلى إغتصاب النساء، سواء كنّ ثائرات أو مجرد قريبات من الثوار، حيث استخدمه بشكل منتظم ومقصود كسلاح حرب من أجل معاقبة الثوار وخنقهم .
وقد مارس أفراد وضباط وعصابات النظام الاعتداء الجنسي على ثائرات أو على قريبات من الثوار وذلك منذ بداية الثورة في عام 2011 بأوامر من أعلى هرم السلطة التي منحت تفويضاً مفتوحاً لعصاباتها بارتكاب كل الموبقات في سبيل الحفاظ على هيبة السلطة ومنها إغتصاب النساء والرجال .
فكانت جرائم الإغتصاب ترتكب بحق النساء أثناء عمليات المداهمات أو الاجتياحات العسكرية للمدن والقرى وكذلك ارتكبت في السجون والمعتقلات بحق المعتقلين والمعتقلات .
كما لم تتورع عصابات النظام عن إغتصاب الأطفال و الشيوخ من النساء والرجال .
وقد بلغ انحطاطهم و سفالتهم درجة لا يتخيّلها عقل بشري حيث انهم كانوا يرتكبون هذه الجريمة البشعة أمام أعين أهالي الضحايا و كانوا يمارسونها بشكل جماعي , و كانوا أيضا يجبرون الأخوة على ممارسة الفاحشة مع أعراضهم .
أوردت بعض المنظمات الحقوقية إحصائيات تقريبية عن عدد ضحايا العنف الجنسي والاغتصاب حيث بلغت حوالي 12000 بحق النساء المعتقلات و عدد غير معروف من الرجال المعتقلين .
وهناك الألاف من حالات الاغتصاب التي وقعت أثناء المداهمات الأمنية والاجتياحات العسكرية للمدن والقرى .
كانت عصابات الأسد في السجون تجبر المعتقلات من النساء على تناول حبوب منع الحمل لتفادي حصول الحمل ولكن هذا لم يمنع من وقوع مئات من حالات الحمل دفعت هذه العصابة لتحويلها الى المشافي لإجراء عمليات الإجهاض من قبل الأطباء المجرمين المرتبطين مع عصابات الأسد .
وقد أشارت تقارير دولية الى أن هذه الأفعال ترقى الى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية منها ما ورد في تقرير للجنة الدولية للتحقيق حول سورية (الاغتصاب وأعمال العنف الجنسي الأخرى تشكل قسماً من اعتداء منتشر ومنتظم يستهدف السكان المدنيين ويتوافق مع جرائم ضد الإنسانية”. وصدر التقرير عن لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، الذي استند على مئات المقابلات مع ناجين وأقاربهم وشهود ومنشقين ومحامين وعاملين في القطاع الطبي. وذكر التقرير أن قوات النظام اغتصبت مدنيين من الجنسين أثناء تفتيش منازلهم وأثناء عمليات برية في المراحل الأولى من الثورة، وبعد ذلك عند نقاط التفتيش وفي مراكز الاعتقال، لافتاً إلى أن أصغر ضحية لمثل هذه الجرائم فتاة تبلغ من العمر تسع سنوات.
الاغتصاب في القانون الدولي:
إعتبر القانون الدوليّ الإغتصاب جريمةً من جرائم الحرب، وجريمةً ضد الإنسانية. وعدّها اعتداءً جسيماً على مبدأ الحماية الذي قرّرته اتفاقيات جنيف لعام 1949، خصوصاً الاتفاقية الرابعة للمدنيين.
كما أن الاغتصاب، وجرائم العنف الجنسيّ الأخرى، وردت ضمناً وحُرّمت في العديد من الاتفاقيات الدولية بعد اتفاقيّتي لاهاي، ومنها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، والعهد الدوليّ للحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية الخاصّة بالرقّ وبالممارسات الشبيهة به، أو غيرها.
كما أعتبر الاغتصاب نوعاً من أنواع التعذيب الجسديّ أساساً، ونوعاً من أنواع المعاملة المهينة والحاطّة بالكرامة، مما يسبّب معاناةً كبيرةً وألماً وأضراراً جسديةً وصحيةً ونفسية.
ولعلّ التوصيف الأدقّ لجريمة الاغتصاب هو ما جاء في ميثاق روما الناظم لمحكمة الجنايات الدولية، الذي صنّف الاغتصاب كجريمةٍ ضد الإنسانية، وجريمة حربٍ. ولكلٍّ من هاتين الجريمتين أركانها القانونية.
أولاً: أركان جريمة الاغتصاب كجريمةٍ ضدّ الإنسانية وفق المادة السابعة من نظام روما:
1- أن يعتدي مرتكب الجريمة على جسد شخصٍ بأن يأتي سلوكاً ينشأ عنه إيلاج عضوٍ جنسيٍّ في أيّ جزء من جسد الضحية، أو ينشأ عنه إيلاج أيّ جسمٍ أو أيّ عضوٍ آخر من الجسد في شرج الضحية أو في فتحة جهازها التناسليّ، مهما كان ذلك الإيلاج طفيفاً.
2- أن يُرتكب الاعتداء باستعمال القوّة، أو بالتهديد باستعمالها، أو بالقسر من قبيل ما ينجم عن الخوف من تعرّض ذلك الشخص أو الغير للعنف أو الإكراه أو الاحتجاز أو الاضطهاد النفسيّ أو إساءة استعمال السلطة، أو باستغلال بيئةٍ قسريةٍ، أو يُرتكب الاعتداء على شخصٍ يعجز عن التعبير عن حقيقة رضاه.
3- أن يُرتكب السلوك كجزءٍ من هجومٍ واسع النطاق أو منهجيٍّ موجّهٍ ضدّ سكانٍ مدنيين.
4- أن يعلم مرتكب الجريمة أن هذا السلوك جزءٌ من هجومٍ واسع النطاق أو منهجيٍّ موجّهٍ ضدّ سكانٍ مدنيين، أو أن ينوي أن يكون هذا السلوك جزءاً من ذلك الهجوم.
ثانياً: أركان جريمة الاغتصاب كجريمة حربٍ وفق المادة الثامنة من نظام روما:
1- أن يعتدي مرتكب الجريمة على جسد شخصٍ بأن يأتي سلوكاً ينشأ عنه إيلاج عضوٍ جنسيٍّ في أيّ جزءٍ من جسد الضحية، أو ينشأ عنه إيلاج أيّ جسمٍ أو أيّ عضوٍ آخر من الجسد في شرج الضحية أو في فتحة جهازها التناسليّ، مهما كان ذلك الإيلاج طفيفاً.
2- أن يُرتكب الاعتداء باستعمال القوّة، أو بالتهديد باستعمالها، أو بالقسر من قبيل ما ينجم عن الخوف من تعرّض ذلك الشخص أو الغير للعنف أو الإكراه أو الاحتجاز أو الاضطهاد النفسيّ أو إساءة استعمال السلطة، أو باستغلال بيئةٍ قسريةٍ، أو يُرتكب الاعتداء على شخصٍ يعجز عن التعبير عن حقيقة رضاه.
3- أن يصدر السلوك في سياق نزاعٍ مسلّحٍ ذي طابعٍ غير دوليٍّ، ويكون مقترناً به.
4- أن يكون مرتكب الجريمة على علمٍ بالظروف الواقعية التي تثبت وجود نزاعٍ مسلح.

النتيجة تعتبر جرائم الاغتصاب وكل أشكال العنف الجنسي الأخرى التي ارتكبتها عصابات النظام السوري سواءً في المعتقلات أو أثناء الحملات الأمنية والعسكرية انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني سواءً تم توصيف الوضع في سورية نزاعاً مسلحاً دولياً أو نزاعاً مسلحاً غير دولي لأنه قد ثبت أنه جزءٍ من هجومٍ عسكري وأمني واسع النطاق أو منهجيٍّ موجّهٍ من قوات النظام ضدّ السكانٍ المدنيين. مما يوجب إحالة مرتكبيها الى المحكمة الجنائية الدولية.
.

استخدام النظام السوري الأسلحة الحارقة

استخدام النظام السوري الأسلحة الحارقة
ماهي الأسلحة الحارقة :
صَدَرَ قَرَارَ الجَمْعِيَّةِ العَامَّةِ لِلأُمَمِ المُتَّحِدَةِ رَقْمٌ 152/32 لِعَامِ 1977 بِعَقْدِ مُؤْتَمَرٍ لِتَحْرِيمِ الأَسْلِحَةِ غَيْرِ الإِنْسَانِيَّةِ وَبَدَأَ العَمَلَ التَّحْضِيرِيَّ لِهَذَا المُؤْتَمَرِ فِي العَامِ 1978 بِمُشَارَكَةِ 82 دَوْلَةً الَّذِي اِنْتَهَتْ أَعْمَالُهُ بِصِيَاغَةِ اِتِّفَاقِيَّةِ 1980 وَبُرُوتُوكُولَاتِهَا الَّتِي عَرَّفَتْ المَادَّةُ الأَوَّلِى مِنْ البُرُوتُوكُولِ الثَّالِثُ ” الأَسْلِحَةِ الحَارِقَةِ ب” ِمَا يَلِي:
” يراد بتعبير ((سلاح محرق)) أي سلاح أو أية ذخيرة، مصمم أو مصممة في المقام الأول لإشعال النار في الأشياء أو لتسبيب حروق للأشخاص بفعل اللهب أو الحرارة أو مزيج من اللهب والحرارة المتولدين عن تفاعل كيماوي لمادة تطلق على الهدف و يمكن أن تكون الأسلحة المحرقة، مثلاً، على شكل قاذفات لهب، وألغام موجهة لمقذوفات أخرى، وقذائف، وصواريخ، وقنابل يدوية، وألغام، وقنابل، وغير ذلك من حاويات المواد المحرقة”.
وتحظِّر المادة الثالثة من اتفاقية جنيف، المتعلقة بالأسلحة التقليدية إستخدام الأسلحة الحارقة ضد الأهداف المدنية، كما تحد من استخدام تلك الأنواع ضد الأهداف العسكرية المتاخمة لمواقع المدنيين، إلا أن ذلك ينطبق على القنابل التي تسقطها الطائرات.
أولاً: أقسام المواد الحارقة :
1- مواد حارقة صلبة:
مثل الثرميت والفوسفور الأبيض والإلكترون والمغنيزيوم والصوديوم.
2- مواد حارقة سائلة:
مثل مخلوط بترولي غير مغلظ أو مخلوط يعرف باسم ” النابالم “.
3- مخلوطات حارقة من مواد صلبة وسائلة:
وهي مزيج من مواد بترولية ومعدنية، مثل: البيروجيل.

ثانياً: أنواع المواد الحارقة :
1- الفوسفور:
هو عبارة عن سلاح يعمل عبر امتزاج الفوسفور فيه مع الأكسجين، والفوسفور الأبيض عبارة عن مادة شمعية شفافة وبيضاء ومائلة للاصفرار، وله رائحة تشبه رائحة الثوم ويصنع من الفوسفات، وهو يتفاعل مع الأكسجين بسرعة كبيرة منتجا نارا ودخانا أبيض كثيفا، وفى حال تعرض منطقة ما بالتلوث بالفوسفور الأبيض يترسب في التربة أو قاع الأنهار والبحار أو حتى على أجسام الأسماك، وعند تعرض جسم الإنسان للفوسفور الأبيض يحترق الجلد واللحم فلا يتبقى إلا العظم. والقذيفة الواحدة تقتل كل كائن حي حولها بقطر 150م استنشاق هذا الغاز يؤدي إلى ذوبان القصبة الهوائية، والرئتين. ويصيب دخان هذه القذيفة الفوسفورية الأشخاص المتواجدين في المنطقة بحروق لاذعة في الوجه والعينين والشفتين والوقاية تكون بالتنفس من خلال قطعة قماش مبلولة بالماء. يستعمل الفوسفور الأبيض في القنابل الحارقة حيث يتبخر بسرعة ويلتهب بملامسته للهواء مسبباً حريقاً ذو لهب وحرارة شديدة. ويعبأ غالباً في القنابل اليدوية وذخائر المدفعية والهاونات وقذائف الصواريخ.
2- الثرميت:
وهو خليط من مسحوق الألومنيوم وأكسيد الحديد اكتشف عام 1894، وأدخل في صناعة القنابل الحارقة حديثاً بديلاً عن الفوسفور وهو لا يشتعل بالتسخين مهما كانت درجة حرارة التسخين عالية مما يجعله أكثر أماناً في التداول ولكنه يحترق بسرعة بالاشتعال منتجاً حرارة ولهب شديدين وتصل درجة الحرارة الناتجة عن اشتعاله 2000 الى 3000 درجة، ولحرارته الشديدة يستخدم أحياناً لجذب الصواريخ الباحثة عن الحرارة بعيداً عن أهدافها.
3- الإلكترون:
وهو سبيكة من الألومنيوم والمغنيزيوم تنصهر في درجة حرارة عالية تصل إلى 450 : 600 درجة، ولحالته الصلبة يصنع منه الغلاف الخارجي للقنابل شديدة الانفجار حيث يساعد انفجارها لصهره وتطايره في حالة سخونة شديدة تساعد على اشتعال الحرائق. وهو بهذه الصفة يعتبر مكمل للمواد شديدة الانفجار لزيادة تأثيرها.
4-النابالم:
وهو أهم وأخطر المواد الحارقة وأكثرها انتشاراً واستخداماً. ويتكون من ملحين من أملاح الألومنيوم وهما “النفتالينات “، و “البالميتات” ومنه اشتق اسمه، مع إضافة الكيروسين.
والنابالم يتصف باللزوجة غير الثابتة حيث يتأثر بالضغط فيسيل. وإذا زال عنه الضغط يعود لحالته السابقة في شكل مسحوق خشن أبيض. وبإضافة الكيروسين للمسحوق نحصل على مادة لزجة يميل لونها للاصفرار هي النابالم. ويلتصق النابالم بالأجسام والأسطح مهما كانت ناعمة أو ملساء ويؤدي إلى حدوث جروح وتشوهات قاسية.
يستخدم النابالم بواسطة:

  • قاذفات اللهب الخفيفة والثقيلة والميكانيكية.
  • قنابل المدفعية والهاونات.
  • الصواريخ التكتيكية.
  • الألغام الأرضية.
  • قنابل الطائرات ومستوعباتها.
  • الرش من الطائرات على مساحة من الأرض ثم يطلق عليها قنابل أو صواريخ حارقة فتشتعل المنطقة بأكملها.
    أساليب استخدام المواد الحارقة:
  • الصواريخ غير الموجهة التقليدية والمعبأة بالثرميت أو النابالم.
  • دانات المدفعية من عيار 105 و 155 مم والمعبأة بالثرميت .
  • قنابل الطائرات والمستوعبات والعبوات المعبأة بالنابالم والمواد الشديدة اللهب والتي يمكن استخدامها من مختلف الطائرات خاصة ذات السرعات البطيئة مثل الهيلوكوبتر وهي الأكثر دقة وطائرات النقل الخفيف والقاذفات المقاتلة.
  • الألغام الكيماوية الحارقة المعبأة بالنابالم والثرميت.
  • قاذفات اللهب الفردية و الميكانيكية والمدرعة سواء المحمولة على الظهر بواسطة الأفراد أو مركبة على مركبات ذات عجلات أو جنزير .
  • القنابل اليدوية الحارقة المعبأة بالثرميت أو المركبات شديدة الحرارة والوهج مثل الفوسفور ومركباته.
    القنبلة الارتجاجية ( الهوائية ) :
  • تعتبر من عائلة المواد الحارقة وتعمل على أساس تفجير الوقود الغازي الذي يحدث موجة من الضغط والاشتعال الغازي بدرجة حرارة أكثر من 1000 درجة مئوية وتؤدي هذه القنبلة الى تأثير إنفجاري وتدميري بفعل موجة الضغط في الكرة المشتعلة المتفجرة لغازات مثل أكسيد الإيثلين أو أوكسيد البروبيلين.
    إستخدام الأسلحة الحارقة في سورية :
    لقد استخدمت قوات النظام السوري والقوات العسكرية الروسية والإيرانية كذلك قوات التحالف الدولي الأسلحة الحارقة المحرمة دوليا حيث بلغت عدد الهجمات على المدنيين أكثر من 250 هجوم .
  • وثقت هيومن رايتس ووتش منها 90 هجوما إضافيا بالأسلحة الحارقة في سورية من تشرين الثاني 2012 حتى 2017، ومن المرجح أن يكون العدد الإجمالي لهذه الهجمات أكثر.
    -استخدمت القوات الروسية أسلحة حارقة في سوريا وقد بلغ عدد الهجمات حوالي 78 هجمة، منذ تدخلها في الربع الأخير من العام 2015، وذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها تحت عنوان “المطر الحارق”، أن استخدام الأسلحة الحارقة في العمليات العسكرية يكون بغرض إخفاء تحرك القوات البرية، إذ يُعطل الدخان المنبعث أنظمة تتبع الأسلحة الموجهة بالأشعة تحت الحمراء. وكان لمحافظة حلب النصيب الأكبر منها، فبلغ عدد الهجمات على المحافظة 51 هجمة، تلتها إدلب 19 هجمة، بينما تعرضت حمص لست هجمات، ثم استهدفت روسيا ريف دمشق بهجمتين وريف حماه الشمالي وخاصة في كل من مدينتي كفرزيتا واللطامنة ومورك.
  • وتسبّبت الهجمات السابقة باستشهاد 7 أشخاص، بينهم 4 أطفال، كما تضرر 15 مركزاً حيوياً مدنياً، وفق التقرير، ولفتت الشبكة في تقريرها إلى أن الهجمات استهدفت مناطق سكنية وزراعية، واعتبرت أن استخدام الأسلحة الحارقة كان بغرض إحداث ضرر مادي وبشري، ولم يكن بهدف عسكري مطلقاً فهي أسلحة مفرطة في العشوائية، وتُشبه إلى حد بعيد الذخائر العنقودية من ناحية سعة الانتشار وإمكانية اشتعالها.
  • كما استخدم التحالف الدولي الأسلحة الحارقة في كل من محافظتي الرقة ودير الزور وأبرزها استهداف “قرية هجين” بدير الزور السورية وأدت إلى حدوث حرائق لكن لم ترد معلومات عن سقوط ضحايا. واعترف التحالف ببيانه المتعلق بهذا الصدد: “لا تناقش مسألة تزويد قواتنا بالذخائر التي تحمل طابع الإنارة واستخداماتها وفقا للسياسة المعلوماتية للتحالف، ولكن بحسب قواعد الاشتباك في النزاعات المسلحة تستخدم ذخائر الفسفور الأبيض لكشف الستائر الدخانية وعمليات التمويه وتحديد المواقع والعلامات”.
    -اتهمت منظمة “هيومن رايتس ووتش” النظام السوري وروسيا بانتهاك القانون الدولي لاستخدامهما ذخائر حارقة في الغارات التي تستهدف المناطق المدنية، بما فيها الغارات الأخيرة التي استهدفت حلب وإدلب شمالي سوريا , وأضافت المنظمة في تقرير جديد لها أن الحملة الجوية المشتركة التي تشنها روسيا وسوريا استعملت هذا النوع من الذخائر في نحو 18 مرة خلال الأسابيع التسعة الماضية، كان آخرها في غارات شنتها هذه القوات يوم 7 آب الجاري في مدينة إدلب , وقالت إن استخدام هذه الأسلحة من طرف القوات الجوية السورية ليس جديدا، لكنه تضاعف منذ التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية يوم 30 أيلول 2015, كما وثقت المنظمة أربعة أنواع لاستخدام هذه الأسلحة الحارقة في سوريا، التي كانت في معظمها عن طريق الغارات الجوية. وحمل التقرير دلائل توثق هذه الهجمات من قبيل الصور , وفي عام 2018، استخدم التحالف العسكري السوري الروسي أسلحة حارقة في 30 هجوما على الأقل في 6 محافظات سورية
  • التقرير العالمي 2018 ” سجلت “هيومن رايتس ووتش” ما يقرب من 22 غارة جوية بأسلحة حارقة في 2017. في نيسان 2017، وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام ذخائر صغيرة حارقة تحوي ثيرميت، ملقاة من قنابل من طراز RBK-500، خلال هجوم على مدينة سراقب شمال غرب البلاد.
    و حيث أن القانون الإنساني الدولي فرض القيود على وسائل وأساليب القتال والحرب بالنسبة لأطراف النزاعات المسلحة، وطالبهم باحترام وحماية المدنيين والمقاتلين الأسرى. والمحاور الأساسية لهذا القانون هي “حصانة المدنيين” و”التمييز” جميع الأوقات بين المقاتلين والمدنيين، واستهداف المقاتلين فقط وأهدافهم العسكرية. وتُحظر الهجمات العمدية ضد المدنيين.
    وحيث ان القانون الإنساني الدولي يحمي الأعيان المدنية، وهي “أي شيء لا يعتبر هدفاً عسكرياً ” وتُحظر الهجمات المباشرة على الأعيان المدنية، كالمنازل والشقق السكنية ودور العبادة والمدارس والمستشفيات.
    وحيث أن قوانين الحرب تُحظِّر الهجمات العشوائية. والهجمات العشوائية هي التي تستهدف أهدافاً عسكرية ومدنية، أو أعيان مدنية، دون تمييز بين الفئتين. وأمثلة على الهجمات العشوائية هي تلك التي لا تستهدف هدفاً عسكرياً محدداً أو تستخدم أسلحة لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري محدد. من ثم فإذا شن أحد أطراف النزاع هجوماً دون محاولة توجيهه بدقة إلى هدف عسكري، أو بأسلوب يؤدي لإصابة المدنيين دون مراعاة للوفيات أو الإصابات المحتملة، يُعد إذن هجوماً عشوائياً. والهجمات العشوائية المحظورة تشمل أيضاً القصف، وهي هجمات المدفعية والهجوم بغير ذلك من السبل مع استهداف عدة أهداف عسكرية متفرقة في منطقة فيها تجمع من المدنيين أو الأعيان المدنية، على أنها هدف عسكري واحد .
  • وحيث أن الأمم المتحدة حظرت استخدام القنابل الفوسفورية والنابالم في المناطق المدنية، وصنفت هذا الاستخدام في خانة جرائم الحرب.
  • فإن استخدام الأسلحة الحارقة تعتبر جريمة حرب لانها انتهاكاً جسيما لمعاهدات جنيف الأربع وملحقاتها و لانها أسلحة عشوائية تطال أرواح المدنيين و ممتلكاتهم وحيث أنه قد تَبٌتَ استخدام النظام السوري و حليفه الروسي وكذلك قوات التحالف الدولي لهذا النوع من الأسلحة المحرمة دولياَ فإن ذلك يعتبر جريمة حرب وفق المادة 8 من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية ويستوجب إحالة الفاعلين الى المحاكمة أمامها .
  • مع العلم أن النظام السوري لم يوقع على معاهدة الأسلحة التقليدية لعام 1980 والتي تشمل قيودا على استخدام الأسلحة الحارقة في المناطق التي يسكنها عدد كبير من المدنيين.
    المحامي عبد الناصر العمر حوشان

استخدام الأسلحة العنقودية في سوريا

استخدام الأسلحة العنقودية في سورية

لأن الذخائر العنقودية أسلحة عشوائية الطابع بحكم تصميمها، فقد حظّر القانون الإنساني الدولي العرفي استخدامها. وعليه فقد حظرت اكثر من 100 دولة إنتاج هذا النوع من الذخائر أو تخزينه أو نقله أو استخدامه، إعترافاً منها بطبيعة الأذى الجسيم  والأثر الدائم الذي يترتب على استخدام هذه الذخائر حيث أن مخلفات الذخائر العنقودية تقتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، أو تشوههم، وتعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بأمور منها ضياع سبل كسب الرزق، وتعرقل التأهيل والتعمير بعد انتهاء النزاع، وتؤخر عودة اللاجئين والمشردين داخليا أو تمنعها، ويمكن أن تؤثر سلبا على الجهود الوطنية والدولية لبناء السلام وتقديم المساعدة الإنسانية وتتسبب في عواقب أخرى وخيمة تستمر لسنوات طويلة بعد استعمالها .

ونظراً للأضرار الجسيمة التي تسببها هذه الذخائر بدأت الحكومات مفاوضات بشأن اتفاقية الذخائر العنقودية واعتمدتها عام 2008. وتعهدت الدول بموجب اتفاقية بشأن الذخائر العنقودية في المادة (1) بألا تقوم في أي ظرف من الظروف:

أ- بإستعمال الذخائر العنقودية

ب- بإســتحداث الــذخائر العنقوديــة أو إنتاجهــا أو حيازتها بــأي طريقــة أخــرى أو تخزينهـا أو الاحتفاظ هبا أو نقلها إلى أي كان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ج-بمـساعدة أو تـشجيع أو حـث أي كـان علـى القيـام بـأي نـشاط محظـور علـى دولة طرف بموجب هذه الاتفاقية.

وقد وثقت عدة منظمات حقوقية دولية ومن أهمها ” منظمة هيومن رايتس ووتش ” و “مرصد الذخائر العنقودية ” استخدام هذه الأسلحة وإنتاجها من قبل كل من النظام السوري والقوات العسكرية الروسية ضد المدنيين في مختلف مناطق الصراع في سورية.

أكدت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش أن النظام والقوات الروسية استخدمت الأسلحة العنقودية المحرمة دوليا عدة محافظات سورية منذ بدأت روسيا حملتها الجوية في سوريا في 30 أيلول 2015. وحددت 152 موقعاً مختلفاً في سورية، استخدمت فيها القوات الحكومية ما لا يقل عن 204 ذخيرة عنقودية بين تموز 2012 وحزيران 2013، في 9 من محافظات البلاد الـ14. تعرضت عدة مواقع لهجمات متكررة بالذخائر العنقودية.

كما وثّقت هيومن رايتس ووتش استخدام الذخائر العنقودية في الحرب في سوريا منذ 2012. بدأت قوات الحكومة السورية في استخدام الذخائر العنقودية الملقاة من الجو في منتصف 2012، ثم استخدمت صواريخ الذخائر العنقودية في هجمات يُعتقد أنها مستمرة إلى الآن .

تمتلك الطائرات والمروحيات التي نشرها الاتحاد الروسي في عمليته العسكرية في سوريا القدرة على إلقاء أنواع أخرى من الذخائر العنقودية روسية الصنع من سلسلة “آر بي كيه”، المحتوية على قنيبلات “بي تي إيه بي” و”إيه أو” و”شواب” الانفجارية، وهي الأنواع نفسها التي سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق استخدام قوات الجو السورية إياها.

ومن أنواع الذخائر العنقودية التي استخدمها النظام والقوات الروسية ذخائر من طراز “إس بي بي إي”، يسقط هذا السلاح روسي الصنع عن طريق مظلة، وهو مصمم لتدمير العربات المدرعة بإطلاق طلقة من المعدن المصهور انفجاري التشكيل إلى الأسفل، بعد أن يكتشف نظام الاستهداف وجود العربة.

الذخائر العنقودية روسية الصنع من سلسلة “آر بي كيه”، المحتوية على قنيبلات “بي تي إيه بي” و”إيه أو” و”شواب”  قنبلة “آر بي كيه 500 إس بي بي إي” محظورة بموجب اتفاقية الذخائر العنقودية، وهي شبيهة بأسلحة “سي بي يو 105” ذات الفتيل الحساس التي تنتجها الولايات المتحدة جارية، وهي الأنواع نفسها التي استخدمتها قوات الجو السورية .

البيانات التي جمعها “مرصد الذخائر العنقودية 2015” ـ وهو المسح السنوي الذي يصدره ائتلاف الذخائر العنقودية في أيلول 2015 ـ تُبين وقوع ما لا يقل عن 1968 إصابة جراء هجمات الذخائر العنقودية وذخائرها الصغيرة غير المنفجرة في سوريا من 2012 وحتى نهاية 2014. كانت الأغلبية الساحقة لمن تم تسجيلهم في عداد القتلى من المدنيين.

كفر حلب – حلب

4 تشرين اول 2015 ذخائر “إس بي بي إي”  تزن 15,6 كيلوغرام.

ـ قالت هيومن رايتس ووتش إن نوعا متقدما من الذخائر العنقودية الروسية استُخدم في غارة جوية على جنوب غرب حلب يوم 4 تشرين الأول 2015. يثير استخدام هذا السلاح بواعث قلق جسيمة من استخدام روسيا للذخائر العنقودية في سورية، أو تزويدها القوات الجوية السورية بنوع جديد من الذخائر العنقودية تلقى من الجو، علاوة على صواريخ أرضية تحمل ذخائر عنقودية روسية، كجزء من هجمة سورية ـ روسية مشتركة في شمال سوريا

كفرزيتا- حماة

7 تشرين الأول 2015 ، صواريخ مدفعية من عيار 300 ملم.

شباط 2014راجمات “بي إم 30 سميرش” متعددة الفوهات لإطلاق ذخائر صغيرة متشظية مضادة للأفراد

“يشير المصور إلى تصويره في كفرزيتا في شمال غرب حماة، تظهر ألسنة دخان لصواريخ أرضية الإطلاق انطلقت من اتجاه جبل زين العابدين، والعديد من الانفجارات اللاحقة لذخائر صغيرة في البلدة. تظهر الغارة نفسها في مقطع آخر تم نشره قبل الأول بساعات وتصويره من موقع مختلف، على قناة مختلفة بموقع يوتيوب هي قناة كفرزيتا. في صورة فوتوغرافية يشير إلى التقاطها في كفرزيتا، تظهر مخلفات الجزء الذيلي المميز لصاروخ مدفعية من عيار 300 ملم.

سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق استخدام سوريا راجمات “بي إم 30 سميرش” متعددة الفوهات لإطلاق ذخائر صغيرة متشظية مضادة للأفراد، بما في ذلك في كفرزيتا في فبراير/شباط 2014.

قرية معصران- إدلب

في 7 تشرين الأول 2015، ذخيرة صغيرة واحدة غير منفجرة من طراز “إيه أو 2,5 آر تي”، ومخلفات عبوة من طراز “آر بي كيه 500” التي تستطيع استيعاب ما يصل إلى 108 من الذخائر الصغيرة.

في صور فوتوغرافية ومقطع فيديو في 7تشرين الأول 2015، تحت عنوان يذكر التقاطها في قرية معصران بمحافظة إدلب، إلى الشمال الشرقي من معرة النعمان، يظهر ما لا يقل عن ذخيرة صغيرة واحدة غير منفجرة من طراز “إيه أو 2,5 آر تي”، ومخلفات عبوة من طراز “آر بي كيه 500” التي تستطيع استيعاب ما يصل إلى 108 من الذخائر الصغيرة.

حربنفسه – حماه

حزيران 2013  ذخائر “إيه أو 2.5 آر تي” الصغيرة من فوهة من طراز “كي إم جي يو” مثبتة بطائرة ثابتة الجناح أو مروحية، أو عن طريق قنبلة عنقودية من طراز “آر بي كيه 500 إيه أو 2.5 آر تي”.

وفق مدونة “براون موزز”، التي تحصر الأسلحة المستخدمة في سوريا، قد تعرفت في حزيران 2013 على ذخائر “إيه أو 2.5 آر تي” الصغيرة في صور ملتقطة في حربنفسه بمحافظة حماة. منذ حينها صورت وسائل إعلام محلية ذخائر “إيه أو 2.5 آر تي” غير منفجرة في عدة مواقع بسورية يمكن لهذه الذخائر الصغيرة أن تتناثر من فوهة من طراز “كي إم جي يو” مثبتة بطائرة ثابتة الجناح أو مروحية، وكذلك أن تنطلق عن طريق قنبلة عنقودية من طراز “آر بي كيه 500 إيه أو 2.5 آر تي”.

استمر استخدام القنابل العنقودية من قبل القوات الحكومية السورية في المناطق التي لا تخضع لسيطرتها، والذي بدأ في 2012، واستمر طوال 2017 وفي النصف الأول من 2018. انخفض عدد الهجمات بالذخيرة العنقودية المسجلة خلال العام الماضي، جزئيا بسبب تناقص عدد المناطق التي لا تزال خارج سيطرة الحكومة. ” وفق تقرير مرصد الذخائر العنقودية 2018 “

تلزم اتفاقية الذخائر العنقودية كل دولة طرف بأن تبذل قصارى جهدها لثني الدول غير الأطراف… عن استعمال الذخائر العنقودية. أدان أكثر من 140 بلدا استخدام الذخائر العنقودية في سوريا، ومنها أكثر من 48 بلدا ليس طرفا في الاتفاقية. أدان معظمها استخدام الذخائر العنقودية عن طريق بيانات وطنية، إضافة إلى الانضمام إلى قرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. 103 دول طرف في اتفاقية الذخائر العنقودية، في حين وقعت عليها 17 دولة ولم تصادق عليها بعد. يذكر أن سورية وروسيا لم تنضما الى معاهدة حظر الأسلحة العنقودية.

إن استخدام قنابل عنقودية في مناطق مدنية يعتبر جريمة حرب لأنها تصنف ضمن الأسلحة العشوائية وفق المادة 51 من البروتوكول الأول الملحق لاتفاقيات جنيف لانها تؤدي الى تدمير هائل بالممتلكات والأرواح  و تسبب عاهات جسدية دائمة للمدنيين.

وحيث أن النظام السوري والقوات العسكرية الروسية استخدمتا هذه الأسلحة بشكل ممنهج ضد فئة محددة من السوريين على أسس دينية و سياسية و طالت هذه الأسلحة المدنيين في مناطق خارج سيطرة النظام السوري وتسببت بتدمير ممتلكات المدنيين وخسائر بشرية كبيرة بالإضافة الى إحداث عاهات جسدية مستديمة ومازالت مخلفات هذه الأسلحة تحصد الكثير من الأرواح فإن استخدامها يعتبر جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب وفقاً للمادتين 7 و 8 من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية الأمر الذي يستدعي تحركاً دولياً لإحالة المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة الى المحكمة الجنائية الدولية للحيلولة دون إفلاتهم من العقاب .

المحامي عبد الناصر العمر حوشان