استخدام الأسلحة العنقودية في سوريا

استخدام الأسلحة العنقودية في سورية

لأن الذخائر العنقودية أسلحة عشوائية الطابع بحكم تصميمها، فقد حظّر القانون الإنساني الدولي العرفي استخدامها. وعليه فقد حظرت اكثر من 100 دولة إنتاج هذا النوع من الذخائر أو تخزينه أو نقله أو استخدامه، إعترافاً منها بطبيعة الأذى الجسيم  والأثر الدائم الذي يترتب على استخدام هذه الذخائر حيث أن مخلفات الذخائر العنقودية تقتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، أو تشوههم، وتعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بأمور منها ضياع سبل كسب الرزق، وتعرقل التأهيل والتعمير بعد انتهاء النزاع، وتؤخر عودة اللاجئين والمشردين داخليا أو تمنعها، ويمكن أن تؤثر سلبا على الجهود الوطنية والدولية لبناء السلام وتقديم المساعدة الإنسانية وتتسبب في عواقب أخرى وخيمة تستمر لسنوات طويلة بعد استعمالها .

ونظراً للأضرار الجسيمة التي تسببها هذه الذخائر بدأت الحكومات مفاوضات بشأن اتفاقية الذخائر العنقودية واعتمدتها عام 2008. وتعهدت الدول بموجب اتفاقية بشأن الذخائر العنقودية في المادة (1) بألا تقوم في أي ظرف من الظروف:

أ- بإستعمال الذخائر العنقودية

ب- بإســتحداث الــذخائر العنقوديــة أو إنتاجهــا أو حيازتها بــأي طريقــة أخــرى أو تخزينهـا أو الاحتفاظ هبا أو نقلها إلى أي كان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ج-بمـساعدة أو تـشجيع أو حـث أي كـان علـى القيـام بـأي نـشاط محظـور علـى دولة طرف بموجب هذه الاتفاقية.

وقد وثقت عدة منظمات حقوقية دولية ومن أهمها ” منظمة هيومن رايتس ووتش ” و “مرصد الذخائر العنقودية ” استخدام هذه الأسلحة وإنتاجها من قبل كل من النظام السوري والقوات العسكرية الروسية ضد المدنيين في مختلف مناطق الصراع في سورية.

أكدت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش أن النظام والقوات الروسية استخدمت الأسلحة العنقودية المحرمة دوليا عدة محافظات سورية منذ بدأت روسيا حملتها الجوية في سوريا في 30 أيلول 2015. وحددت 152 موقعاً مختلفاً في سورية، استخدمت فيها القوات الحكومية ما لا يقل عن 204 ذخيرة عنقودية بين تموز 2012 وحزيران 2013، في 9 من محافظات البلاد الـ14. تعرضت عدة مواقع لهجمات متكررة بالذخائر العنقودية.

كما وثّقت هيومن رايتس ووتش استخدام الذخائر العنقودية في الحرب في سوريا منذ 2012. بدأت قوات الحكومة السورية في استخدام الذخائر العنقودية الملقاة من الجو في منتصف 2012، ثم استخدمت صواريخ الذخائر العنقودية في هجمات يُعتقد أنها مستمرة إلى الآن .

تمتلك الطائرات والمروحيات التي نشرها الاتحاد الروسي في عمليته العسكرية في سوريا القدرة على إلقاء أنواع أخرى من الذخائر العنقودية روسية الصنع من سلسلة “آر بي كيه”، المحتوية على قنيبلات “بي تي إيه بي” و”إيه أو” و”شواب” الانفجارية، وهي الأنواع نفسها التي سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق استخدام قوات الجو السورية إياها.

ومن أنواع الذخائر العنقودية التي استخدمها النظام والقوات الروسية ذخائر من طراز “إس بي بي إي”، يسقط هذا السلاح روسي الصنع عن طريق مظلة، وهو مصمم لتدمير العربات المدرعة بإطلاق طلقة من المعدن المصهور انفجاري التشكيل إلى الأسفل، بعد أن يكتشف نظام الاستهداف وجود العربة.

الذخائر العنقودية روسية الصنع من سلسلة “آر بي كيه”، المحتوية على قنيبلات “بي تي إيه بي” و”إيه أو” و”شواب”  قنبلة “آر بي كيه 500 إس بي بي إي” محظورة بموجب اتفاقية الذخائر العنقودية، وهي شبيهة بأسلحة “سي بي يو 105” ذات الفتيل الحساس التي تنتجها الولايات المتحدة جارية، وهي الأنواع نفسها التي استخدمتها قوات الجو السورية .

البيانات التي جمعها “مرصد الذخائر العنقودية 2015” ـ وهو المسح السنوي الذي يصدره ائتلاف الذخائر العنقودية في أيلول 2015 ـ تُبين وقوع ما لا يقل عن 1968 إصابة جراء هجمات الذخائر العنقودية وذخائرها الصغيرة غير المنفجرة في سوريا من 2012 وحتى نهاية 2014. كانت الأغلبية الساحقة لمن تم تسجيلهم في عداد القتلى من المدنيين.

كفر حلب – حلب

4 تشرين اول 2015 ذخائر “إس بي بي إي”  تزن 15,6 كيلوغرام.

ـ قالت هيومن رايتس ووتش إن نوعا متقدما من الذخائر العنقودية الروسية استُخدم في غارة جوية على جنوب غرب حلب يوم 4 تشرين الأول 2015. يثير استخدام هذا السلاح بواعث قلق جسيمة من استخدام روسيا للذخائر العنقودية في سورية، أو تزويدها القوات الجوية السورية بنوع جديد من الذخائر العنقودية تلقى من الجو، علاوة على صواريخ أرضية تحمل ذخائر عنقودية روسية، كجزء من هجمة سورية ـ روسية مشتركة في شمال سوريا

كفرزيتا- حماة

7 تشرين الأول 2015 ، صواريخ مدفعية من عيار 300 ملم.

شباط 2014راجمات “بي إم 30 سميرش” متعددة الفوهات لإطلاق ذخائر صغيرة متشظية مضادة للأفراد

“يشير المصور إلى تصويره في كفرزيتا في شمال غرب حماة، تظهر ألسنة دخان لصواريخ أرضية الإطلاق انطلقت من اتجاه جبل زين العابدين، والعديد من الانفجارات اللاحقة لذخائر صغيرة في البلدة. تظهر الغارة نفسها في مقطع آخر تم نشره قبل الأول بساعات وتصويره من موقع مختلف، على قناة مختلفة بموقع يوتيوب هي قناة كفرزيتا. في صورة فوتوغرافية يشير إلى التقاطها في كفرزيتا، تظهر مخلفات الجزء الذيلي المميز لصاروخ مدفعية من عيار 300 ملم.

سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق استخدام سوريا راجمات “بي إم 30 سميرش” متعددة الفوهات لإطلاق ذخائر صغيرة متشظية مضادة للأفراد، بما في ذلك في كفرزيتا في فبراير/شباط 2014.

قرية معصران- إدلب

في 7 تشرين الأول 2015، ذخيرة صغيرة واحدة غير منفجرة من طراز “إيه أو 2,5 آر تي”، ومخلفات عبوة من طراز “آر بي كيه 500” التي تستطيع استيعاب ما يصل إلى 108 من الذخائر الصغيرة.

في صور فوتوغرافية ومقطع فيديو في 7تشرين الأول 2015، تحت عنوان يذكر التقاطها في قرية معصران بمحافظة إدلب، إلى الشمال الشرقي من معرة النعمان، يظهر ما لا يقل عن ذخيرة صغيرة واحدة غير منفجرة من طراز “إيه أو 2,5 آر تي”، ومخلفات عبوة من طراز “آر بي كيه 500” التي تستطيع استيعاب ما يصل إلى 108 من الذخائر الصغيرة.

حربنفسه – حماه

حزيران 2013  ذخائر “إيه أو 2.5 آر تي” الصغيرة من فوهة من طراز “كي إم جي يو” مثبتة بطائرة ثابتة الجناح أو مروحية، أو عن طريق قنبلة عنقودية من طراز “آر بي كيه 500 إيه أو 2.5 آر تي”.

وفق مدونة “براون موزز”، التي تحصر الأسلحة المستخدمة في سوريا، قد تعرفت في حزيران 2013 على ذخائر “إيه أو 2.5 آر تي” الصغيرة في صور ملتقطة في حربنفسه بمحافظة حماة. منذ حينها صورت وسائل إعلام محلية ذخائر “إيه أو 2.5 آر تي” غير منفجرة في عدة مواقع بسورية يمكن لهذه الذخائر الصغيرة أن تتناثر من فوهة من طراز “كي إم جي يو” مثبتة بطائرة ثابتة الجناح أو مروحية، وكذلك أن تنطلق عن طريق قنبلة عنقودية من طراز “آر بي كيه 500 إيه أو 2.5 آر تي”.

استمر استخدام القنابل العنقودية من قبل القوات الحكومية السورية في المناطق التي لا تخضع لسيطرتها، والذي بدأ في 2012، واستمر طوال 2017 وفي النصف الأول من 2018. انخفض عدد الهجمات بالذخيرة العنقودية المسجلة خلال العام الماضي، جزئيا بسبب تناقص عدد المناطق التي لا تزال خارج سيطرة الحكومة. ” وفق تقرير مرصد الذخائر العنقودية 2018 “

تلزم اتفاقية الذخائر العنقودية كل دولة طرف بأن تبذل قصارى جهدها لثني الدول غير الأطراف… عن استعمال الذخائر العنقودية. أدان أكثر من 140 بلدا استخدام الذخائر العنقودية في سوريا، ومنها أكثر من 48 بلدا ليس طرفا في الاتفاقية. أدان معظمها استخدام الذخائر العنقودية عن طريق بيانات وطنية، إضافة إلى الانضمام إلى قرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. 103 دول طرف في اتفاقية الذخائر العنقودية، في حين وقعت عليها 17 دولة ولم تصادق عليها بعد. يذكر أن سورية وروسيا لم تنضما الى معاهدة حظر الأسلحة العنقودية.

إن استخدام قنابل عنقودية في مناطق مدنية يعتبر جريمة حرب لأنها تصنف ضمن الأسلحة العشوائية وفق المادة 51 من البروتوكول الأول الملحق لاتفاقيات جنيف لانها تؤدي الى تدمير هائل بالممتلكات والأرواح  و تسبب عاهات جسدية دائمة للمدنيين.

وحيث أن النظام السوري والقوات العسكرية الروسية استخدمتا هذه الأسلحة بشكل ممنهج ضد فئة محددة من السوريين على أسس دينية و سياسية و طالت هذه الأسلحة المدنيين في مناطق خارج سيطرة النظام السوري وتسببت بتدمير ممتلكات المدنيين وخسائر بشرية كبيرة بالإضافة الى إحداث عاهات جسدية مستديمة ومازالت مخلفات هذه الأسلحة تحصد الكثير من الأرواح فإن استخدامها يعتبر جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب وفقاً للمادتين 7 و 8 من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية الأمر الذي يستدعي تحركاً دولياً لإحالة المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة الى المحكمة الجنائية الدولية للحيلولة دون إفلاتهم من العقاب .

المحامي عبد الناصر العمر حوشان

اترك رد