شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تسليم المجرمين

ليس في الشريعة ما يمنع من أن تسلم أية دولة إسلامية لأية دولة إسلامية أخرى أي مسلم أو ذمي أو مستأمن ارتكب في أرض إحدى الدولتين جريمة ما والتجأ إلى أرض الأخرى ما لم تكن هذه الدولة الأخرى قد حاكمته فعلاً على هذه الجريمة طبقاً لنصوص الشريعة فإن لها أن تمتنع عن تسليمه لأنه لا يجوز طبقاً للشريعة أن يعاقب على الفعل الواحد مرتين.

وعلة جواز التسليم ومنع التسليم واحدة وهي أن كل بلد إسلامي يعتبر جزءاً من دار الإسلام وأن كل الدول الإسلامية تعتبر ممثلة للإسلام وعلى كل منها أن تقيم حدوده وتنفذ أحكامه ففي حالة التسليم لا يسلم الجاني إلى دولة غريبة عنه ولا يحاكم بشريعة يجهلها ولا يعرضه التسليم لظلم أو ضرر والتسليم لا يقصد منه إلا ضمان تحقيق العدالة والزجر عن الإجرام وفي حالة الامتناع عن التسليم لدولة إسلامية لا يكون الامتناع إلا لإقامة نصوص الشريعة ولتحقيق العدالة والزجر عن الإجرام.

ولا تجيز الشريعة الإسلامية لدولة إسلامية أن تسلم رعاياها مسلمين أو ذميين ليحاكموا في دار الحرب عن جرائم ارتكبوها في تلك الدار ولا يجوز لدولة إسلامية أن تسلم أيضاً رعايا أية دولة إسلامية أخرى لدولة غير إسلامية لأن هؤلاء في حكم رعاياها من الوجهة الشريعة.

كما لا تجيز الشريعة لدولة إسلامية أن تسلم مسلماً منتمياً لدولة محاربة إذا هاجر لدار الإسلام من دار الحرب ولو طلبته الدولة التي كان يقيم في أرضها ما لم يكن هناك اتفاق سابق على التسليم فإن كان هناك اتفاق سابق وجب الوفاء بشروطه إلا الباطل منها.

ويعتبر الاتفاق على التسليم باطلاً إذا كان له أثر رجعي أي إذا أريد به تسليم المسلمين اللاجئين لدار الإسلام قبل الاتفاق ويعتبر باطلاً كل شرط يقضي بتسليم النساء المسلمات اللاجئات إلى دار الإسلام سواء لجأن لدار الإسلام قبل الاتفاق أو بعده فالمرأة المسلمة لا يجوز تسليمها بأية حال لدولة غير إسلامية ولو كانت من رعاياها أصلاً ولو كان لها زوج وأولاد وأهل يطلبونها في دار الحرب لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10].

ويجوز لأي دولة إسلامية أن تسلم المستأمن للدولة التي يتبعها إذا طلبته لتعاقبه على جريمة ارتكبها في بلده بشرط أن يكون هناك اتفاق يقضي بذلك ولكن ليس لها أن تسلمه إلى دولة أخرى غير دولته لأن هذا يتنافى مع عقد الأمان الذي أعطي له فأمن بمقتضاه على نفسه إلا أن يكون هناك عهد بين الدولة الإسلامية وبين الدولة طالبة التسليم يقضي بالتسليم فيعتبر الأمان قائماً على أساس التقيد بهذا العهد ويجوز التسليم وفاء بالعهد.

تسليم المجرمين السياسيين والعسكريين: تتفق الدول على عدم تسليم المجرمين في الجرائم السياسية والجرائم العسكرية وحق اللجوء السياسي مقرر في الشريعة الإسلامية (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) التوبة 6 وإذا كان القرآن يوجب حماية المشرك المستجير فإن ذلك أوجب من باب أولى بالنسبة للمسلم اللاجئ أما بالنسبة للجرائم العسكرية فليس في قواعد الشريعة الإسلامية ما يمنع من إقرار هذه الجزئيات لأنها لا تختلف مع قواعد الشريعة العامة.

وفي القانون العربي الجزائي الموحد يحق لكل دولة ارتكب مواطن عربي على أراضيها جريمة أن تطلب تسليم الفاعل لمحاكمته أمام محاكمها الوطنية دون اللجوء لإجراءات التسليم ما لم تكن الجريمة سياسية (المادة 12)[1] وهذا يعني أنه لا يحق لدولة ما أن تمتنع عن تسليم مواطنيها إلى دولة أخرى ولم يفصل القانون الجزائي العربي الموحد في أحوال التسليم هل يجوز تسليم الأجانب أم لا ولا نرى مبرراً لعدم النص على استثناء العسكريين المطلوبين لاتهامهم بارتكاب جرائم عسكرية صرفة كجرائم الفرار واغتصاب السلطة وعدم إطاعة الأوامر كما لم ينص القانون على عدم جواز التسليم في حال محاكمة الدولة التي طلب منها التسليم للمطلوب تسليمه على ذات الجريمة وصدور حكم بحقه بالبراءة أو بالعقاب كما لم يفصل القانون بحالات التسليم للدول الإسلامية غير العربية أو الدول غير الإسلامية.

كما يفهم من النص على أنه للدولة التي وقعت الجريمة على إقليمها أن تطالب بتسليم المجرم “دون اللجوء إلى إجراءات التسليم” أن التسليم يتم عن الطريق الإداري الصرف دون تدخل السلطات القضائية وهذا اتجاه غير موفق للقانون لأنه منح السلطات الإدارية حق تقرير ما إذا كان الجرم سياسياً أم لا وبالتأكيد سيتم ذلك بدون دعوة المطلوب تسليمه وسماع أقواله أمام جهة محايدة مما يؤدي إلى إهدار حق الدفاع وهذا الأمر سيؤدي إلى تضييع حق اللجوء السياسي على طالبيه وهدر الحريات الفردية وكان الأولى تشكيل لجنة قضائية تبت بطلبات التسليم بعد سماع أقوال المطلوب تسليمه.

كما لم يبين القانون الجزائي العربي الموحد الإجراء الواجب اتخاذه في حالة تعدد طلبات التسليم لأكثر من دولة كما لم يتحدث عن أثار التسليم.


[1] كل مواطن عربي ارتكب في إقليم دولة عربية جريمة ، مهما كان نوعها، يخضع إلى محاكم تلك الدولة التي لها أن تطالب بتسليمه دون اللجوء إلى إجراءات التسليم الخاصة بالأجانب، ما لم يتعلق الأمر بجريمة سياسية .

اترك رد