شرح القانون الجزائي العربي الموحد: تطبيق القانون الجزائي من حيث المكان

يشير واضع القانون الجزائي العربي الموحد في المذكرة الإيضاحية إلى أن ” الأصل في الشريعة الإسلامية أنها شريعة عالمية إلا أن الظروف قضت من الناحية العملية بأن تكون إقليمية فلا تطبق إلا على دار الإسلام”.

وما يعنيه عالمية الشريعة إنما يقصد به التزام الفرد الخاضع لها بأحكامها ويعمل بها في كل مكان يوجد فيه وطالما أن الأحكام الجنائية التي لا تطبق إلا بحكم قضائي فهذا يعني أنها لن تطبق إلا ضمن الأقاليم التي تحت الحكم الإسلامي وفي إطار إقليمي معين فهي أحكام إقليمية لأنها تطبق على الأفراد في حدود إقليم معين بواسطة سلطات ذلك الإقليم.

النظرية التقليدية في تطبيق الشريعة الإسلامية إقليمياً:

قسم الفقهاء القدامى العالم إلى قسمين لا ثالث لهما الأول يسمى دار الإسلام ويشمل كل البلاد الإسلامية الثاني يسمى دار الحرب ويشمل كل البلاد الأخرى لأن القسم الأول يجب فيه تطبيق الشريعة الإسلامية أما القسم الثاني فلا يجب فيه تطبيقها لعدم إمكان هذا التطبيق.

وتشمل دار الإسلام البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام أو يستطيع سكانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكانه كلهم أو أغلبهم مسلمون وكل بلد يتسلط عليه المسلمون ويحكمونه ولو كانت غالبية السكان من غير المسلمين ويدخل في دار الإسلام كل بلد يحكمه ويتسلط عليه غير المسلمين ما دام فيه سكان مسلمون يظهرون أحكام الإسلام أو لا يوجد لديهم ما يمنعهم من إظهار أحكام الإسلام.

وتشمل دار الحرب كل البلاد غير الإسلامية التي لا تدخل تحت سلطة المسلمين أو لا تظهر فيها أحكام الإسلام سواء كانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة أو تحكمها دول متعددة ويستوي أن يكون بين سكانها المقيمين بها إقامة دائمة مسلمين أو لا يكون ما دام المسلمون عاجزين عن إظهار أحكام الإسلام.

ويرى أبو حنيفة أن الشريعة تطبق على الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام أياً كانت الجريمة وسواء كان مرتكبها مسلماً أو غير مسلم لأن المسلم ليس له قانون غير الشريعة ولا يجوز له أن يرضى لنفسه قانوناً غيرها ولأن غير المسلم التزم أحكام الإسلام التزاماً دائماً بقبوله عقد الذمة الدائم.

أما من يقيم إقامة مؤقتة في دار الإسلام فلا تطبق عليه أحكام الشريعة إذا ارتكب جريمة تمس حقاً لله أي تمس حقاً للجماعة وإنما يعاقب بمقتضى الشريعة إذا ارتكب جريمة تمس حقاً للأفراد.

أما الجرائم التي يرتكبها مسلم أو غير مسلم خارج دار الإسلام فلا تطبق عليها الشريعة الإسلامية سواء وقعت من شخص مقيم في دار الإسلام ثم سافر إلى دار الحرب وعاد أو وقعت من شخص كان يقيم في دار الحرب ثم أقام بعد ذلك في دار الإسلام لأن المسألة عند أبي حنيفة ليست مسألة التزام المسلم أو الذمي بأحكام الإسلام أينما كان مقامه وإنما هي واجب الإمام في إقامة الحد ولا يجب على الإمام أن يقيم الحد أو العقوبة إلا وهو قادر على الإقامة لأن الوجوب مشروط بالقدرة ولا قدرة للإمام على من يرتكب جريمة في دار الحرب أثناء ارتكابها فإذا انعدمت القدرة لم تجب العقوبة .

بينما يرى أبي يوسف من فقهاء المذهب الحنفي ويرى أن الشريعة الإسلامية تسري على كل المقيمين في دار الإسلام سواء كانت إقامتهم دائمة أو كانت إقامتهم مؤقتة وحجته في ذلك أن المسلم يلزمه إسلامه بالتزام أحكام الإسلام وأن غير المسلم ملزم بأحكام الإسلام بمقتضى عقد الذمة الذي يضمن له الأمان الدائم أو بمقتضى عقد الأمان المؤقت الذي خوله الإقامة المؤقتة في دار الإسلام وبقبوله دخول دار الإسلام لأنه بطلبه دخول دار الإسلام قد قبل أن يلتزم أحكام الإسلام مدة إقامته ولأنه لما منح إذن الإقامة منحه على هذا الشرط فصار حكمه حكم غير المسلم المقيم إقامة دائمة في دار الإسلام ولا فرق بينهما.

ومن الواضح أن فقيهي الحنفية أبو حنيفة وأبو يوسف قد فرقا بين ولاية القضاء وولاية الشريعة فالمقصود من أن الجرائم التي خارج دار الإسلام من قبل المسلم أو الذمي لا يعاقب عليها هو أن قضاء الدولة الإسلامية غير مختص بنظرها لوقوعها في إقليم دولة أخرى فالأولى أن قضاؤها هو الذي يفصل في هذه الجريمة.

ويرى مالك والشافعي وأحمد أن الشريعة تطبق على كل جريمة ترتكب في أي مكان داخل حدود دار الإسلام سواء أياً كان مرتكب الجريمة كذلك تطبق الشريعة عند هؤلاء الأئمة على كل جريمة ارتكبها أحد رعايا الدولة الإسلامية في دار الحرب فيعاقب المسلم والذمي على الجرائم التي يرتكبها أحدهما في دار الحرب ولو كان الفعل مباحاً في دار الحرب كالربا ما دامت الشريعة الإسلامية تحرم على أحدهما هذا الفعل أما إذا كان الفعل محرماً في دار الحرب ولكن الشريعة الإسلامية تبيحه فلا عقاب على من ارتكبه في دار الحرب.

نقد النظرية التقليدية:

لا يوافق الدكتور توفيق الشاوي رحمه الله على التقسيم الثنائي للعالم إلى دار حرب ودار إسلام ويرى بأن هذا التقسيم يتجاهل القسم الثالث وهو دار العهد الذي يشمل البلاد غير الإسلامية التي يكون بينها وبين المسلمين عهود مسالمة وهذا القسم أصبح الآن يشمل جميع بلاد العالم التي تعاهد معها المسلمون بعهود جماعية مثل ميثاق الأمم المتحدة فضلاً عن العهود الثنائية وخاصة فيما يتعلق بالتمثيل السياسي والاتفاقات الإقليمية والتجارية وما إليها.

وإذا سلمنا بصحة التقسيم الثنائي فإن المنطق يوجب أن يكون المقابل لدار الحرب دار السلم التي تشمل كل البلاد المسالمة للأمة الإسلامية وهي تضم حالياً جميع دول العالم التي لا توجد في حالة حرب مع المسلمين.

أيضاً هذا التقسيم قد يؤدي إلى قلب المفاهيم ويجعل من كثير من بلاد المسلمين دار حرب وبعض بلاد غير المسلمين دار سلام إذ يصف الفقهاء دار الإسلام بأنها هي التي تظهر فيها أحكام الشريعة أو يستطيع سكانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام دينهم فدار الإسلام هي دار الأمن والسلام للمسلمين بينما دار الحرب هي دار العداء والخوف للمسلمين والناظر في واقع العالم الآن يرى في بعض البلاد الأجنبية بلاداً يستطيع فيها المسلم أن يظهر أحكام دينه دون خوف أو وجل ويطالب بتطبيقها ولا يمنعه من ذلك مانع بينما في بلاد المسلمين فإن كثيراً من السلطات تعلن تنكرها للشريعة وتعد الحركات المطالبة بها منظمات إرهابية يحاكم أعضائها ويعاقبون بعقوبات قاسية.

العصمة والإهدار في النظرية التقليدية:

سكان دار الحرب على نوعين: فهم إما حربيون وإما مسلمون.

أما الحربيون فهم سكان دار الحرب الذين لا يدينون بالإسلام ويقال لأحدهم حربي والحربيون غير معصومين أي أن دماؤهم وأموالهم مباحة ما لم يكن بينهم وبين دار الإسلام عهد أو هدنة لأن العصمة في الشريعة لا تكون كما قلنا إلا بأحد شيئين بالإيمان أو الأمان.

وليس للحربيين – إذا لم يكن بينهم وبين دار الإسلام عهد – أن يدخلوا دار الإسلام فإذا دخلها أحدهم فهم مباح الدم والمال ويجوز قتله ومصادرة ماله كما يجوز أسره والعفو عنه.

أما المسلم الذي يسكن دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام أصلاً فهو عند مالك والشافعي وأحمد من أهل دار الإسلام يعصم بإسلامه دمه وماله ولو أنه مقيم في دار الحرب مهما طالت إقامته وإذا أراد دخول دار الإسلام لا يمنع منها بينما يرى أبو حنيفة أن المسلم المقيم في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام غير معصوم بمجرد إسلامه لأن العصمة عند أبي حنيفة ليست بالإسلام وحده وإنما يعصم المسلم عنده بعصمة الدار ومنعة الإسلام المستمدة من قوة المسلمين وجماعتهم، والمسلم في دار الحرب لا منعة له ولا قوة فلا عصمة له ولكن له أن يدخل دار الإسلام في أي وقت فإذا دخلها استحق العصمة[1].

لا بد أن نشير هنا ونؤيد رأي الدكتور توفيق الشاوي في هذه القضية الهامة “إننا نتحفظ على هذه الأقوال التي تؤدي إلى إباحة الاعتداء على حقوق الإنسان التي حصنتها الشريعة مثل الحق في الحياة وسلامة البدن بدليل أنها فرضت للعقاب عليها عقوبة القصاص التي قصد بها المشرع في نظرنا حماية حق الإنسان في حياته وسلامة بدنه وهي الحماية التي تعد أساساً لنظرية شرعية عامة في ضمان حقوق الإنسان وحمايتها من المساس بها إلا بحكم قضائي تنفذه سلطة شرعية وعلى ذلك فإنه لا يسوغ قيام فرد بقتل أي إنسان سواء كان حربياً أو ذمياً أو مستأمناً أو مسلماً بحجة إقامة الحد عليه أو بحجة أنه غير معصوم لأن جميع الناس معصومون بصفتهم بشراً متساوين في الحقوق الإنسانية ولذلك فإن إقامة الحدود من اختصاص القضاء الملتزم بالشريعة دون غيره.

إن الأقوال التي بنيت على افتراض وجود حالة حرب دائمة بين المسلمين وغيرهم قد فات أوانها والقول بذلك غير صحيح حالياً ولا نقره إلا بالنسبة للمحاربين المقاتلين من الأعداء في أثناء الحرب أما مجرد الانتساب إلى دولة غير إسلامية أو معادية فلا يحرم الفرد من الحماية التي قررتها الشريعة لحقوق الإسلام إلا حين تثبت مشاركته في العداون علينا ومن باب أولى لا يعد الأجنبي محارباً إذا كانت الدولة التي ينتسب لها معاهدة أو مسالمة للمسلمين وليست محاربة وجميع الدول التي وقعت على المواثيق الدولية الجماعية والفردية هي ول معاهدة ومسالمة ولا يصح وصفها بأنها دار حرب ولا يجوز بالتالي القول بعدم عصمة رعاياها أو حرمانهم من الحقوق الإنسانية التي قدستها شريعتنا وتحرم كل عدوان عليها.

ومن باب أولى لا يجوز أن نقر ما ينسب لأبي حنيفة من أن المسلم المقيم في بلد أجنبي ولم يهاجر لدار الإسلام يكون غير معصوم بحجة أنها دار حرب أو أن المسلم في أي بلد أجنبي لا عصمة له ولا القول بأن كل بلد سكانها غير مسلمين هي دار حرب دون أن تكون بينها وبين المسلمين حرب فعلية”[2].

الاختصاص الإقليمي في القانون الجزائي العربي الموحد:

أخذ القانون الجزائي العربي الموحد بجزء من النظرية التقليدية في تطبيقه من حيث المكان وفق رؤية الفقيه الحنفي أبي يوسف وحسناً فعل بذلك فإن التاريخ يذكر لنا أن قد أسيء تطبيق نظرية أبو حنيفة وأصبحت ذريعة كي يتمتع الأجانب بامتيازات في الدولة الإسلامية تطورت ليصبح لهم قضاؤهم الخاص فيما بعد وأعطوا ثقة لم يكونوا أهلاً لها بل استغلوها أيما استغلال.

ولم يذكر واضع القانون الجزائي العربي الموحد الاختصاص الشخصي فهو لا يحاسب على الجرائم المرتكبة خارج البلاد العربية من قريب ولا بعيد[3] بل يقتصر تطبيقه على الجرائم التي ترتكب ضمن حدود هذه البلاد أياً كان مرتكبها (المادة 11)[4] والواقع أن أبا يوسف لم يتحدث عن التفريق بين البلاد العربية وغير العربية بل تحدث عن التفريق بين البلاد التي تحكمها الشريعة الإسلامية والبلاد التي لا تحكمها الشريعة الإسلامية ولكن هذا لا يعيب القانون ويجعله مخالفاً لأحكام الشريعة فتقسيم العالم إلى دارين أو غير ذلك وتحديد الاختصاص الإقليمي للقانون هو أمر اجتهادي ولم يرد فيه شيء من النصوص القطعية ولا بأس بأي قول طالما أن المقصد من خلاله هو تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل يناسب متطلبات الزمان والمكان وليس استبعاد تطبيقها كلياً أو جزئياً.

يشمل الإقليم مساحة الأرض التي تفرض الدولة سيادتها عليها والمياه الإقليمية وفق قواعد القانون الدولي والأرض التي تحت هذه المياه والفضاء الذي فوق الإقليم البري والمياه الإقليمية.

كما أحسن واضع القانون حين أهمل الأخذ بنظرية العصمة والإهدار تبعاً للانتماء العقدي أو المكاني للاعتبارات السابق ذكرها ونلاحظ أن القانون الجزائي العربي الموحد لم ينص على حكم الجرائم التي تقع ضمن معسكرات الجيوش العربية خارج الأراضي العربية هل هي تخضع لاختصاصه أم لا رغم أن الفقهاء القدامى فصلوا القول في هذه الحالة وعدوها جزءاً من إقليم الدولة التي يتبعون لها.

الإقليم الاعتباري:

استقر التعامل الدولي على أن ينزل منزلة الإقليم الوطني للدولة المركبات الهوائية والسفن التي ترفع علم هذه الدولة وقد نص القانون الجزائي العربي الموحد بشكل صريح وواضح على ذلك (المادة 13)[5] واستثنى الحالات التي تخضع فيها الجرائم المرتكبة على متن هذه المركبات والسفن للقانون الأجنبي وهذه الحالات محددة في القانون الدولي بما يلي:

  1. أن يكون الجاني أو المجني عليه من جنسية البلد التي هبطت فيها الطائرة أو دخلت السفينة مياهها الإقليمية.
  2. حالة هبوط الطائرة في أراضي الدولة أو رسو السفينة في موانئها.
  3. حالة تجاوز الجريمة لشفير المركبة أو السفينة.
  4. حالة طلب ربان السفينة أو الطائرة المساعدة من السلطات المحلية.

هناك جرائم قد ترتكب على الأراضي العربية ولكن لا يطبق عليها القانون الجزائي العربي الموحد إما لصفة مرتكبيها أو لاعتبار مكان ارتكابها وهذه الحالات محددة في القانون الداخلي أو الدولي فالنسبة للأشخاص هناك حصانة مقررة في القانون الدولي لرؤساء الدول ووزراء خارجيتها وأعضاء البعثات الدبلوماسية ولأعضاء مجلس الشعب في القانون الداخلي فهؤلاء لا يطبق عليهم القانون الجزائي العربي بالنسبة للجرائم التي يرتكبونها في البلاد العربية أيضاً هناك أماكن تستثنى بمقتضى القانون الدولي من تطبيق القانون الجزائي العربي فيها كمقار البعثات الدبلوماسية والسفن والمركبات الهوائية التابعة لدولة أجنبية ضمن الشروط التي تم ذكرها في الفقرة السابقة.


[1] عبد القادر عودة التشريع الجنائي الإسلامي ج 1 ص 274.

[2] الموسوعة العصرية في الفقه الجنائي الإسلامي ج 2 ص (ب/266)

[3] في الواقع إن النص يتناقض مع المذكرة الإيضاحية التي تشير إلى الاختصاص الشخصي بشكل واضح ورد فيها “إن المبدأ العام في الشريعة الإسلامية هو سريان أحكامها على الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام أياً كان مرتكبها وعلى الجرائم التي ترتكب في دار الحرب من مقيم بدار الإسلام” وغالب الظن أن المادة 11 من القانون قد عدلت وفق الصيغة الحالية وسها واضع القانون عن تعديل المذكرة الإيضاحية لأن نص المادة 14 منه يشير إلى وجود حالات يطبق فيها القانون الجزائي العربي الموحد على جرائم وقعت خارج أقاليم الدول العربية.

[4] يسري القانون الجنائي العربي الموحد على كل من يوجد في إقليم إحدى الدول العربية من مواطنين و أجانب و عديمي الجنسية ، مع مراعاة الاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي أو الدولي .

[5] يدخل ضمن إقليم الدول العربية، السفن، والمركبات الهوائية العربية أينما وجدت، عدا الحالات التي تكون خاضعة فيها لتشريع أجنبي بمقتضي القانون الدولي .

اترك رد