شرح القانون الجزائي العربي الموحد: عدم رجعية القانون الجزائي

من تطبيقات مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أنه لا يطبق النص الجنائي على أي فعل وقع قبل نفاذه (المادة 5)[1] وهذا المبدأ يعرف بمبدأ عدم رجعية القوانين ومن تطبيقاته أنه لا يجوز معاقبة شخص على فعل ارتكبه قبل صدور القانون القاضي بتجريمه فالقانون يجب أن ينذر قبل أن يعاقب وذلك لضمانة أمن وحقوق الأفراد فلا يفاجأ الشخص بعد قيامه بفعل ما بوجود نص قانوني جديد بجرم هذا الفعل.

وهذا المبدأ مستخلص من تتبع آيات الأحكام الجنائية وأسباب نزولها فقد نزلت جميع الأحكام التي حرمت المعاصي بعد أن فشا الإسلام فلم يعاقب بها على الجرائم التي وقعت قبل النزول

ولمبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية عدة استثناءات تندرج جميعها تحت قاعدة القانون الأصلح للمتهم:

1- حالة إلغاء الصفة الجرمية للفعل (المادة 6)[2]: قد يعدل واضع القانون عن رأيه باعتبار فعل ما جريمة لاعتبارات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وهنا يجب أن يستفيد المتهم من القانون اللاحق لارتكابه الجرم إذا كان هذا القانون يزيل صفة الجريمة عن ذلك الفعل وأن يحكم بعدم مسؤوليته ذا كانت الدعوى قيد النظر أما إذا كان قد صدر حكم نهائي بالدعوى فإنه يوقف تنفيذ العقوبة المقضي بها ولو كان صدر قرار قطعي في الدعوى.

2- تطبيق القانون الأصلح للمتهم (المادة 7)[3]: إذا صدر خلال فترة المحاكمة وقبل صدور قرار مبرم في الدعوى قانون جديد يعدل من شروط التجريم أو وصف الجريمة أو من العقوبة فإنه يؤخذ بعين الاعتبار إذا كان تطبيقه أصلح للمتهم أما إذا كان قدر قرار مبرم بالدعوى فلا تعاد المحاكمة احتراماً لقوة الشيء المحكوم به.

والعلة في تطبيق النص اللاحق إن كان هو الأصلح للمتهم أن المقصود من العقوبة هو منع الجريمة وحماية الجماعة فهي ضرورة اجتماعية اقتضتها مصلحة الجماعة وكل ضرورة تقدر بقدرها فإذا كانت مصلحة الجماعة في تخفيف العقوبة وجب أن يستفيد الجاني الذي لم يحكم عليه بعد من النص الجديد المخفف للعقوبة لأن حفظ مصلحة الجماعة ليس في التشديد ولأنه من العدل ألا تكون العقوبة زائدة عن حاجة الجماعة ما دامت شرعت لمصلحة الجماعة ولأن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً.

ولا نرى محلاً لما ذهب له الشهيد عبد القادر عودة من القول بأن هناك إمكانية لرجعية القوانين الجزائية في الجرائم الخطيرة كون إحدى الواقعتين التي استدل بها فهمت فهماً خاطئاً والثانية فيها شذوذ عن أصول الشريعة برأي معظم الفقهاء المعاصرين وعليه من الخطأ القول بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قرر لبعض النصوص الجزائية أثراً رجعياً والقول بغير ذلك يمس باعتبارات العدالة التي هي مقصد من مقاصد الشريعة والحكم الفرعي الذي يخالف الأصل لا يعتبر بدون دليل قطعي الثبوت والدلالة فالمقاصد إما قطعية أو قريبة الظن من القطع.

لا تطبق الاستثناءات في حالة القوانين المؤقتة (المادة 8)[4]: قد تصدر السلطات في الدولة قوانين لمواجهة حالة مؤقتة كالكوارث الطبيعية أو الاقتصادية أو لمواجهة ظروف سياسية وتفرض عقوبات معينة على مخالفيها وتحدد مدة سريان هذه القوانين بحيث يعود الفعل إلى حالة الإباحة تلقائياً بمجرد حلول الأجل المنصوص عليه في القانون وهنا يفترض أن يستفيد كافة المتهمون أو المحكومون بسبب مخالفة هذا القانون كون الفعل أصبح مباحاً إلا أنه واستثناء من قاعدة القانون الأصلح للمتهم فإن المتهم لا يستفيد ويقضي عقوبته كاملة وذلك لمنع الناس من مخالفة هذه القوانين المؤقتة قبل انتهاء مدة سريانها بقليل معتمدين على طول فترة المحاكمة للنجاة من العقاب.

وتخضع التدابير الوقائية المنصوص عليها في هذا القانون أيضاً لقاعدة المشروعية وقاعدة عدم الرجعية (المادة 9)[5] فلا يجوز الحكم بأي تدبير وقائي لم ينص عليها القانون ولم يكن نافذاً بتاريخ صدور الحكم كما أن زوال الصفة الجرمية للفعل يوجب إلغاء هذه التدابير أيضاً إلغاء هذا التدبير من القانون يوجب على المحكمة الحكم بإنهائه فوراً وفي حال تعديل التدبير الوقائي على المحكمة مراجعة حكمها وتعديل التدبير الوقائي المحكوم به وفرض التدبير الوقائي الجديد المادة (10)[6].


[1] لا يجوز مؤاخذة أحد عن فعل لم يكن يشكل جريمة بمقتضي القانون النافذ حين اقترافه

[2] لا يجوز مؤاخذة أحد عن فعل لم يعد جريمة بمقتضي قانون صدر بعد ارتكابه ، فإن كان قد صدر حكم نهائي بالإدانة ، فإن العقوبات المقضي بها ، يوضع حد لتنفيذها .

[3] في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول ، بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها ، يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم .

[4] استثناء من أحكام المادتين 6 و 7 تظل القوانين المؤقتة – بعد انتهاء العمل بها – سارية على  الجرائم المرتكبة خلال مدة تطبيقها .

[5] لا يجوز الحكم بأي تدبير وقائي ، إلا في الأحوال وطبق الشروط المقررة في القانون.

ولا يحكم إلا بالتدابير المنصوص عليها في القانون النافذ وقت صدور الحكم .

[6] ينتهي تنفيذ التدبير الوقائي إذا صدر قانون جديد يزيل صفة الجريمة عن الفعل الذي استوجبه، أو إذا صدر قانون يلغي ذلك التدبير .

أما إذا أبدل القانون الجديد بالتدبير الوقائي تدبيرا آخر ، بعد صدور حكم نهائي بالإدانة ، يعاد النظر في هذا التدبر من قبل ذات المحكمة التي قضت به على ضوء التدبير الوقائي الجديد .

اترك رد