شرح القانون الجزائي العربي الموحد: مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

أقرت الشريعة الإسلامية بشكل واضح أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وذلك بصريح النص القرآني (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وقد تم تطبيق هذا المبدأ في الشريعة الإسلامية عن طريق نظريتين تحكمان عمل القاضي تنص الأولى على أن القاضي مكلف منذ تعيينه قاضياً بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) وأنه محاسب على تقصيره في ذلك أمام الله وهذه المسؤولية توجب عليه أن يرجع للمصادر الأساسية للشريعة ويستنبط منها العناصر التي يشكل اجتماعها الفعل الجرمي في جرائم الحدود والقصاص فإن تبين له أنه وقع وفق الصورة التي حددها الشارع فليس له أن يغير في العقوبة المحددة في الشريعة الإسلامية أو ينقص منها شيئاً.

وللقاضي حرية واسعة في تقدير ما إذا كان الفعل قد وقع وفق الصورة التي أوجب الشارع على مرتكبها عقوبة الحد أو القصاص أم لا طالما أن تقديره هذا مبني على استنباط لعناصر الجريمة وفق القواعد المعتبرة للاستنباط في أصول الفقه.

أما في التعازير فإن الأفعال التي تعتبر جريمة تعزيرية فهي إما أفعال محددة في الشريعة باعتبارها من المعاصي التي يشكل ارتكابها خطراً على المصلحة العامة والممكن إثباتها قضاء ولكن لم تحدد عقوبتها ولا العناصر التي تشكل أركان الجريمة بل ترك للقاضي سلطة تقديرية واسعة في ذلك أو أنها أفعال غير محددة بشكل مسبق إلا من حيث أنها تلك التي يشكل ارتكابها ضرراً بالمصلحة العامة.

والعقوبة في التعازير محددة ضمن مجموعة من العقوبات لا يستطيع القاضي أن يخرج عنها وهذا لا يعتبر خروجاً عن مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص بل تطبيق خاص له وقال بهذه النظرية الشافعية والمالكية والحنابلة.

أما النظرية الثانية وقال بها الأحناف فترى أن القاضي هو مناب عن رئيس الدولة الشرعي المكلف عن طريق الانتخاب الحر من قبل الأمة بتطبيق أحكام الشريعة وعليه فإن لرئيس الدولة أن يقيد وكيله القاضي بتطبيق مذهب معين أو أحكام معينة طالما أنها جميعاً لا تتعارض والفهم السليم للشريعة الإسلامية.

ويقترح الدكتور توفيق الشاوي رحمه الله أن يتولى تقنين القانون الجنائي مجلس الاجتهاد المؤلف من العلماء والفقهاء والاختصاصيين في الشؤون المختلفة (علوم النفس والاجتماع والسياسة والشؤون العسكرية … ألخ) ويشاركهم في ذلك مجلس القضاء الأعلى بصفته مؤسسة مستقلة عن السلطة التنفيذية وبعد ذلك يمكن لمجلس الاجتهاد أو رئيس الدولة بناء على اقتراح من المجلس أن يصدره وبذلك يكون التشريع الجنائي كله صادراً عن ممثلي الأمة الذين اختارتهم بالشورى الحرة.

ويبدو أن واضع القانون الجزائي العربي الموحد (المادة 1)[1] قد اتجه إلى الأخذ بالنظرية الثانية واعتبار القانون هو ما يحدد ما يعتبر من الأفعال جرماً يستوجب العقوبة أو فرض تدابير وقائية على مرتكبيها وما لا يعتبر كذلك وقد أحسن واضع القانون بهذا الاختيار فالعدل والحكمة تقتضي استقرار المعاملات بين الناس ويميل المرء بطبعه لأن يعرف قواعد القانون حتى يتجنب خرقها ولا يتيسر ذلك إلا بكتابتها بشكل يسهل على العامة الوصول إليه.

أيضاً من وجوه العدل المساواة بين المتساوين وتقنين الجرائم والعقوبات يحقق هذه المساواة في العقوبة بين مرتكبي الفعل الواحد فعلى سبيل المثال قد يرتكب أشخاص فعلاً أو قولاً يشكل خروجاً من الملة -والعياذ بالله من هذا- وتعرض قضيتهم أمام قضاة مختلفين فأحدهم يستتاب أبداً ولا يقتل وأخر يقتل دون استتابة والثالث يستتاب ثلاثاً ثم يقتل إن لم يتب وكل قاض يستند إلى فهم مقبول للشريعة في حكمه ولكن لم تتحقق المساواة بين المتساويين وبذلك يختل ميزان العدل الذي تعتبر إقامته مقصد من مقاصد الشريعة.

أيضاً فإن في تقنين الجرائم سد لباب الرشوة والفساد في القضاء فترك القاضي يحكم وفق أحكام الشريعة التي اختلف الفقهاء قديماً وحديثاً في تفسيرها يفتح الباب للمتقاضين أمامه لمراجعته ليأخذ بالرخص التي تخفف عنهم العقاب أو تعفيهم منه لقاء منفعة شخصية مادية أو معنوية يقدمونها له وفي هذا فساد للقضاء وسد الذرائع مقصد من مقاصد الشريعة.

كما أن في وضع قواعد التجريم والعقاب في نصوص قانونية مبوبة وسهلة القراءة لغير المختصين بلاغ للمكلفين ورفع للحرج عنهم فقد يتأول شخص نصاً من نصوص الشريعة بغير علم فيقع بما حرمه الله ويقام عليه الحد بتأويله الخاطئ وقد حدثت حادثة في التاريخ الإسلامي أن شخصاً يدعى أبو جندل بن سهل وجماعة معه شربوا الخمر في الشام مستحلين لها مستدلين بقول الله جل شأنه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} [المائدة:93] فأقيم عليهم حد الخمر فحين تحدد نصوص التجريم والعقاب بشكل سهل الفهم يقل مجال التأويل وبالتالي مجال الخطأ.

ولا خوف على الاجتهاد من الاندثار ذلك أن حرية التفكير والتعبير عن الرأي مكفولة في الإسلام وبوجود الحرية السياسية يمكن لمن يرى فهماً مخالفاً لنصوص الشريعة أن يعرضه ويناقش فيه للوصول لتطبيقه.

إن الأخذ بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يؤدي إلى أن القاضي يتوجب عليه تطبيق القانون فقط (المادة 3)[2] أي أنه لا يجوز له العقاب على أي فعل بدون وجود نص في القانون ولا يحق له في حكمه أن يشكك بحكمة واضع القانون كأن يدعي أنه سها عن تجريم فعل معين ويحكم بتجريمه أو يضيف للجريمة أركاناً لم ترد في القانون أو ينقص من أركانها الواردة فيه أو أن يضيف عقوبة غير منصوص عليها أو ينقص أو يزيد العقوبة المنصوص عليها عن الحد الموضوع لها أو يلغى العقوبة المفروضة على فعل ما بل يتوجب على القاضي يطبق القانون فقط وله في معرض تطبيقه هذا تفسير النصوص وفق منطوقها وروحها بدون أن يخرج عما تحتمله من معاني فإن فعل خلاف ذلك كان قراره غير نافذ وإن كان له أصل في الشريعة وتعرض للمحاسبة المسلكية.


[1] يحدد القانون الجزائي العربي الموحد الأفعال التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من إخلال بمبادئ وأحكام الشرعية الإسلامية و بأمن وسلامة المجتمع ، و يوجب فرض عقوبات أو تدابير وقائية علي مرتكبيها .

[2] لا يجوز مؤاخذة أحد عن فعل لا يعد جريمة بنص القانون ولا معاقبته بعقوبات غير مقررة فيه .

اترك رد