شرح القانون الجزائي العربي الموحد: من له الحق بالتشريع في المواد الجنائية وتطبيق القانون الجنائي الإسلامي

إن المشرع هو الله في كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين وقد أجاز للأمة تفويض علمائها ليتولوا مهمة إكمال الأحكام الشرعية وتنميتها بالاجتهاد والإجماع وعليه فالحق في تقنين التشريع الجنائي لا تملكه الدولة ولا حكوماتها وإنما يرجع فيه إلى العلماء المفوضين من الأمة لأنهم أقدر من غيرهم على التمييز بين المعاصي التي تصل إلى مستوى الجريمة المعاقب عليها بعقوبة جنائية والمعاصي التي تكفي لمقاومتها التدابير التربوية والإصلاحية أو الوقائية.

كما أن الأمة هي المكلفة بتطبيق الشريعة الإسلامية وهو حق أصيل لها بموجب النصوص القرآنية واضحة الدلالة (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) البقرة 3 (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش) الأعراف 10 (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) الحج 65 وتمارس الأمة حقها هذا عن طريق ممثليها الشرعيين الذين ينتخبون بإرادة حرة ولهؤلاء وحدهم حق توقيع العقوبات بما في ذلك عقوبات الحدود والقصاص والإشراف على تنفيذ العقوبات بما في ذلك الإشراف على السجون ولذلك فإن الإهدار لا يسمح للفرد العادي أياً كان ولو كان هو المجني عليه بتوقيع الحد أو القصاص أو التعزير مهما تكن الظروف إلا إذا كان بأمر القضاء المستقل وتحت إشرافه ومسؤوليته وسنوضح ذلك بتفصيل أكبر عند الكلام عن العصمة والإهدار.

هذا يعني أيضاً أنه لا يحق لمن تولى السلطة بطريق فعلي وغير شرعي باستخدام القوة والغصب أن يدعي أنه يطبق الشريعة الإسلامية كما لا يحق لجماعة معينة في مكان ما أن تقيم الحدود على منطقة جغرافية محددة وتجعل نفسها دولة داخل الدولة وإلا أصبح الأمر فوضى.

وقد يقول قائل أنه إذا لم تقم الحكومات بتطبيق الحدود فإن ذلك يصبح واجباً على الأفراد والأصح القول بأن على الأفراد أن يغيروا الحكومات التي تتنكر للشريعة في حدود إمكاناتهم وأن يتولى الفقهاء إرشادهم إلى الطريق الصحيح لذلك لا محل لمطالبة الأفراد بإقامة الحدود على بعضهم فهذا الأمر من اختصاص القضاء الإسلامي المستقل المعين من قبل الحاكم الشرعي الذي تم اختياره بإرادة حرة من قبل الأمة. وعليه فإن الشرط الأول لتطبيق الحدود هو إقامة السلطة التي تخضع للشريعة والحكومات إلى تلتزم بها هي أولاً وليس من العقل الظن أن الحكومات التي لا تطبق الشريعة على نفسها وعلى أعوانها هي مؤهلة لتطبقها على الأفراد ولا يجب أن نقبل منهم ذلك ونصفهم بأنهم طبقوا الشريعة لمجرد أنهم طبقوا الحدود على غيرهم وهم أول من يجب أن تطبق عليه تلك الحدود.

اترك رد